
لقد كان النصر في القادسية مجرد “نتيجة” لانتصاراتٍ صغيرة خاضها الصحابة داخل نفوسهم أولاً؛ لأنهم حين ملكوا زمام ذواتهم، ملكوا زمام الأرض…
أنا عندما كنتُ أقرأ عن الحرب الفاصلة التي كانت طويلة جداً في نظر المسلمين، فقد كانت أربعة أيام أطلق عليها: (أرماث.. أغواث.. أعماس.. والقادسية). عشتُ معهم التفاصيل، تخيلتُ الموقف وكأني أرى شدة المسلمين وبسالتهم وثقتهم في ربهم، وزادهم الكثير من التقوى. لقد أرعبوا “رستم” بثقتهم وكلامهم فقط، فعلم عدو الله أنهم رجال صدقوا… لقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حتى إنه قال مقولته الشهيرة: “أكلَ عمرُ كبدي!”.
إن الأبدان تقشعر من هذا الكلام؛ أين نحن من تلك التقوى، والعمل الجاد، والكلمة الواحدة؟ أين نحن من ذاك الترابط والأخوة الرائعة؟ ثم ماذا؟ ثم كدتُ أسمع ذاك الصوت الذي زلزل مملكة الفرس بكاملها على رؤوس ملوكها: “قتلتُ رستم ورب الكعبة!”. لله درهم من فرسان… كيف واجهوا “قرن الشيطان” واستأصلوه بزادهم العظيم (التقوى)، وعتادهم القليل، وقوة قلوبهم المؤمنة، وذكائهم وعزيمتهم وصبرهم وإخلاصهم؟ وكل هذا من أجل مَن؟ من أجل أن يصل الدين إلى كل بقاع الأرض، من أجل أن يصل إلينا غضاً طرياً كما استلموه من رسول الله ﷺ.
بين فخر السيرة وحسرة الواقع
لا أنكر أن دموعي كانت تنهمر مع تلك الصفحات… تارة حزناً وتارة سعادة. كنتُ أشعر بالفخر والسعادة أن هؤلاء هم رجال الدين العظماء، ثم أتذكر حالنا اليوم، فأبكي حزناً على حال ديننا الذي خاضوا من أجله كل هذا، وضحوا بدمائهم وأرواحهم وكرسوا حياتهم لأجله. كيف صار اليوم؟ أين هو اليوم؟ أين تلك العزة والإباء؟ وصلاة الفتح التي حُرِمنا منها! هل سوف نصليها أم أننا سنكتفي بصلاة الخوف؟
معركة ضد “قرن الشيطان” دامت أربعة أيام فقط؛ ما أيسرها في نظرنا، لكنها كانت طويلة ومثقلة بالنسبة للجيل الأول. جاء رسولُ عمر بن الخطاب من إحدى الغزوات فبشره بالنصر، فسأله عمر: “متى بدأ القتال؟”، فقالوا: “قبل الضحى”. قال: “ومتي كان النصر؟”، فقالوا: “قبل المغرب”. فبكى سيدنا عمر حتى ابتلت لحيته! فقالوا: “يا أمير المؤمنين، نبشرك بالنصر فتبكي!”. فقال -رضي الله عنه-: «والله إن الباطل لا يصمد أمام الحق طوال هذا الوقت إلا بذنبٍ أذنبتموه أنتم أو أذنبته أنا».
وأضاف قائلاً: «نحن أمة لا تنتصر بالعدة والعتاد، ولكن ننتصر بقلة ذنوبنا وكثرة ذنوب الأعداء، فلو تساوت الذنوب انتصروا علينا بالعدة والعتاد».
كم تدوم الحروب اليوم في بلاد المسلمين؟ كم أياماً وليالي وأسابيع وشهوراً، بل وتعدت السنوات! هل هذه ذنوبنا كما قال عمر: «فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة… فإذا استوينا في المعصية كان الفضل لهم في القوة». هل استوينا مع الأعداء في المعاصي ولذلك لا ننتصر عليهم ولا تنتهي معاركنا معهم؟ إنها حقيقة مؤلمة جداً.. يا حسرتي على ديني وبلادي وكل المسلمين، ويا حسرتي على ما فرطنا فيه من ديننا حتى أصابنا الضعف والهوان.
وسط هذا الركام النفسي والواقع المظلم، يتردد سؤال واحد هو: كيف ننهض بأمتنا؟ وكيف نسترد تلك العزة؟ الإجابة تكمن في ذات العقلية الفكرية التي أدار بها الفاروق علاقته بالحياة والموت. فـأروع ما قرأتُ أن عُمر كان له طابعٌ خاص..
طابعٌ خاص: إحياء الأمل بالموت
بعض المتشددين جعلوا من الدين صلاةً وصياماً فقط بقلوب معتمة، لا تتدبر إلا في آيات العذاب؛ تلك القلوب التي أرهبت الناس من الالتزام، وجعلت من الموت نقطةً تموت عندها المواهب والأمل.. كأننا عشنا فقط لنموت! أما عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد جعل ذكر الموت حياة.
لقد جعل الموت نقطة انطلاق وإحياء للعزيمة؛ «كفى بالموت واعظاً يا عمر». عبارته هذه تحيي الهمم لما هو باقٍ وتصرفها عن كل زائل، وتحث على العمل والسعي. لو كان غير عمر ممن يأخذون طريق التعسير، لجعلها نقطة يأسٍ وجلس يبكي دون أن يتعظ.
ما دمتَ سترحل يوماً، فيجب أن تترك أثراً يحيي اسمك ويخلدك في جنة الآخرة. ابكِ.. لكن بعدها امسح دموعك وانهض لتحقيق حلمك الذي سخرك الله له؛ خَف.. ولكن اعمل؛ هذه هي الموعظة الحقيقية. خذ يقين عمر واترك الوهن؛ كفى بالموت خيراً واعظاً للحياة؛ فما دام الختام رحيلاً، فالتزم واثبت على ثغرك، واجتهد لتجعل كل بصمة تخصك ذات أثرٍ لا يموت؛ فما دمتَ راحلاً لا محالة، فاترك عملك ليعيش بعدك…
كن ذا أثر؛ اجعل من سيرتك عظةً لمن لم يتعظ، ولمن آثر الركود وتعلل بالنهاية، فترك الطموح وثبّط البقية؛ ليعيش مجتمعه في ظلام الإحباط.
عمر.. الرقم الأصعب، العابد الزاهد، صاحب رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين؛ كل هذه المسؤوليات لم تمنعه من أن يكون أول من جدد العزائم وقاد المواهب.. أول من قتل اليأس وأحيا الأمل في حياة فانية. رغم أنه لم يكن نبياً، لكن اسمه استقر في كل قلب عبر الأزمان.
ليس لنا عذر بعد اليوم في الانشغال عن مسؤولياتنا، أو ترك أنفسنا تغرق في بحر الحزن؛ علينا أن نستعيدها من مستنقع الأعذار والانتظار السلبي. علينا أن نخرج الآن، قل لنفسك: “إما الآن وإما فلا”، وقل للحزن: “وداعاً فنحن مشغولون ببناء ذواتنا وتطويرها”. نحن سنرحل، ولكننا نريد أن نمضي ونحن على الطريق الصحيح؛ فإما أن نصل، أو لنمُت ونحن نحاول.
اترك اليأس، وصادق العزيمة، وقم للحياة من أجل الخلود، واسترد نفسك؛ فليس هذا وقت الندامة، بل وقت العمل والاستقامة.
أفق الوعي والسكينة
الوعي الحقيقي يبدأ حين يستمد الإنسان نوره من بصيرة علمٍ تنير عتمة حيرته بوضوحٍ ساطع، وترشده بصدق إلى طريق الإيمان الحق. وهذا النور ليس مجرد شعور عابر، بل هو علمٌ يُغسل به القلب من شوائب الغفلة، فهو مشكاة داخل الروح التي تشبه المصباح في انطفائها تارة وضيائها تارة أخرى، يوقد لها من شجرة المعرفة المباركة فتصبح الروح “نوراً على نور”؛ يهتدي به السالكون في دروب السكينة.
ومن هذا الأفق، يأتي كتابي القادم “مشكاة الروح”، كمحاولة لنفهم الطريق؛ لفهم كيف نتوه، وكيف نبحث، وكيف نجد النور؟! فهو رحلة من العماء إلى الوضوح، ومن التخبط إلى الوعي، ومن الضياع.. إلى المعنى.
بقلم: فاطمة الدفعي





حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: