أصل الثبات: وما صبرك إلا بالله


قال تعالى{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } [ سورة النحل : 127 ]
الصبر ليس بالشيء السهل، ولا يأتي بقوة الشخص، وحده الله من يأتي لك بالصبر، وأصبر وما صبرك إلا بالله… مهما حاولت أن تصبر عن شيء، فلن تستطيع إلا إذا كان الله قد ألهمك، وأعانك، وأيدك بالصبر. عندما تصبر عن شهوة، أو تصبر على أذى، فليس لأنك تريد أن تصبر؛ بل لأن الله أراد لك أن تصبر، فما صبرك إلا بالله. فلا تغتر باستقامتك، ولا تفتخر بالتزامك وإيمانك، فلولا أن مدّك الله بالصبر على نفسك وشيطانك ما صبرت ولا استقمت، لكنها رحمة منه وفضل عظيم.
قف عند حدود عجزك، وتأمل في خبيئة نفسك؛ فكل سجدة أطلتَ فيها، وكل شهوةٍ أعرضتَ عنها، لم تكن ببطولةٍ منك ولا بصلابةٍ في إرادتك، بل كانت محضَ ‘اختطافٍ’ إلهي انتشلك من وحل هواك. فاشكر نعم الله عليك بشكرِ المنكسر، لا بشكرِ الممتنّ؛ فالممتنّ يرى لنفسه يداً، والمنكسر يرى فضل الله غامراً.

آفة الغرور ونعمة التواضع. إياك أن تَمُنّ بصلاحك على ضعاف النفوس، أو ترمقهم بعين الازدراء من شرفة استقامتك؛ فالمسافة بينك وبينهم ليست قوة إيمانك، بل هي ستار الله الذي أُسدِل عليك، ولطفه الذي قاد خُطاك. لولاه، لكنت في تيه الغفلة غريقاً، وفي دروب الشتات ضائعاً. تواضع لربك تواضع من يعلم أنه لولا ‘المدد’ لانقطع ‘العدد’، ولولا الثبات من عنده لمالت القلوب مع كل ريح.
لا تنظر لنفسك بعين الفضل، ولا تظن أنك صرت أفضل من غيرك؛ فربما كان ذنبُ ذلك ‘العاصي’ المنكسر أحبَّ إلى الله من ‘طاعتك’ التي أورثتك كبراً. تذكر دوماً: لولا خفيّ لطفه بك، ما كنت شيئاً يُذكر، ولا قمتَ لله ذراعاً. أنت مجرد مِرآةٍ عكست ضياءه، فإذا انقطع الضياء، عادت المرآة لظلمتها الأولى.

رفقاً بقلوبكم: لا تحزنوا على أهل الغفلة
{ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } [ سورة النمل : 70 ] وفي الكفة الأخرى لأولئك الذين يشعرون بالحزن على أهل المعاصي، ويضيقون من أفعالهم، ويتمنون لهم الصلاح، مما يجعلهم يحاولون مراراً وتكراراً معهم دون جدوى، فيخيم عليهم الحزن، ويضيق صدرهم مما يرون ولا يقدرون على تغييره… رفقاً بقلوبكم وصبراً بربكم، لا تحزنوا على أهل المكر والمعاصي والضلال، عليكم أن نصحتم وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وهذا الذي عليكم، فلا تبتئسوا إذا لم يتغير الوضع ولم يؤمن أهل الضلال ولم يصدقكم أهل المكر وجادلوكم ليثبتوا لكم أنهم على حق؛ توقفوا هنا، ودعكم من جدالهم، أو من الحزن عليهم؛ لأن أفكار الشيطان قد أصبحت هي المباحة لديهم، جدالهم لأن صدورهم تضيق عند تذكيرهم بالطريق الصحيح، فتراهم يتكلمون ويجادلون بعقول مقفلة، قد أصابهم رجس من الله بسبب غفلتهم وبعدهم عنه، فلا تتفاجأ منهم، ولا تحزن عليهم.{ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } [ سورة الأنعام : 125 ]

صراع الوعي مع أغلال الجهل
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) } [ سورة الحجر : 97 إلى 99 ].
جدالهم عن الباطل وإنكارهم للحق، ورغم جهلهم في الدين لكنهم لا يصدقون من هو أعلم منهم فيه، فيبادرون للتكذيب، والإنكار، أو حتى التغاضي والاستهزاء. قد تنصحهم نصيحة لا يحبون تطبيقها، لأنك تريد أن تخرجهم من عتمة زائفة يرون فيها راحتهم المفبركة، فيبادرون للدفاع عن أفكارهم القديمة، ويعطوك دلائل من ماضيهم المغبر، سيتذكرون أجدادهم الجاهلين، ليجعلوا علمك بينهم جهلاً وتلاعباً بالزمان وتغييراً لنظام الكون.
تغيير الأفكار القديمة يشبه القتل بالنسبة لأصحاب العقول الضيقة التي لا تعرف الحرية المأسورة في زنزانة الجهل أبد الدهر؛ ستهاجمك وتتهمك بأبشع التهم، ثم سيحاولون قتلك ليموت التجديد والحرية، ليس لأنهم يريدون أن يبقوا في الأمان المصطنع لهم، الراحة التي رسمها لهم الشيطان بألوان الطيف الجميل يرونها دون لمسها، لكنهم أحبوها وفرحوا بغفلتهم، وتمسكوا بجهلهم؛ بل وتوارثوه أباً عن جد. سيجادلونك جدالات سخيفة لا معنى لها، وسيرفضون أدلتك الحقيقية بحجج واهية والحقيقة أنهم يقنعون أنفسهم بها فقط، هكذا حتى يضيق صدرك بما يقولون.

لكن الله سبحانه أعطاك الحل ليس لنبيه فقط؛ بل هو لكل عباده المؤمنين، والدليل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد مات منذ مئات السنين، لكن القرآن لا زال موجوداً كما كان منذ نزل عليه، ولم يتغير، والله سبحانه حي لا يموت. من رحمته بنا حفظ هذا القرآن العظيم من التحريف والتغيير، حفظه بعظمته لنا، لنأخذه بيقين وحب وإيمان، ليكون علاجاً لما في صدور المؤمنين. فسبّح بحمد ربك، سبّح السبوح القدوس رب الملائكة والروح، سبّح بيقين؛ سبحان من قدّر المقادير وأعطى للناس عقولاً متفاوتة، سبحانه أنعم عليهم وهم جاحدون لنعمته، فقد أهملوها حتى أصابتهم الغفلة المهلكة. سبحان من يراهم يعصونه فيستر عليهم بحلمه ورحمته، سبحان من يسمع كلامهم لجلالته وعظمته، يسمع إنكارهم لوجوده، ويراهم يتخذون آلهة غيره، فيعبدونها بجهلهم، فلا يغضب عليهم ولا يخسف بهم، وكل القوة والجبروت في يديه، سبحانه ما أعظم حلمه، وما أوسع رحمته.

كم نضيق نحن عندما نرى العاصين وهم يجاهرون بعصيانه، نشتاط غضباً ونحترق غيظاً، ولو بأيدينا لقتلناهم شر قتلة. سبحان الله العظيم الحليم، يمهلهم ثم بعد فترة تجد بعضهم قد اهتدى وأصبح من العباد المخلصين. أنت كنت تكرهه لمعصيته، وربما تذكرتها عندما رأيته؛ لو كان غضبه كغضبنا لهلكنا جميعاً، ولأصبحت جهنم تثور في بيوتنا، ولو كانت رحمته كرحمتنا لما دخل الجنة مذنب، ولظلت الذنوب تُتلى عليهم ليلاً ونهاراً…

الخلاصة: نحن عبادُ الرحيم
نحن نغضب فنترك من أغضبنا أو نعاقبه، لكن الله عز وجل يغضب فيحلم علينا ويمهلنا حتى نعود إليه، بل ويمحو الذنب بعد الاستغفار منه. نحن عندما يتم تجاهلنا، نتجاهل من تجاهلنا ونسينا، لكن الله عز وجل يرانا نتجاهل الأذان، ونؤخر الصلاة، ونبتعد عنه وقت الانشغال، ومع ذلك يتقبلها منا حتى ولو أتت متأخرة، أو عدت إليه بعدما احتجته حاجة قوية، لكنه لا يتركك ولا ينساك أو يتجاهلك حاشاه؛ له المثل الأعلى ليس كمثله شيء. هو الله ربنا، أقرب إلينا من حبل الوريد، خالقنا العظيم الرحيم، رازقنا وميسر أمرنا… سبحان الله العظيم وبحمده… الحمد لله أننا عرفنا أن ربنا الله، عرفنا رحمته بنا ولطفه علينا وقربه منا. الحمد لله أننا عباده وحده وأن لا إله غيره، وأن الكون كله بيده، والأمر له من قبل وجودنا ومن بعد اندثارنا.


اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة