شارك أحد أفضل الهدايا التي تلقيتها على الإطلاق.
أفضل هدية تلقيتها كانت كتاب “صحيح البخاري”؛ لا زلت أتذكر ذلك اليوم وتلك الليلة عندما أيقظني أبي من نومي ورأيته يحمل ثلاثة مجلدات للأحاديث الصحيحة التي أخرجها البخاري -رضي الله عنه وأرضاه-.
كنت في الصف التاسع، وكان معي كتاب صحيح البخاري أحب أن أطلع عليه في أوقات فراغي، وذات يوم أتى صاحب أبي ونسيت أخذ كتابي معي، فأعجبه الكتاب وطلبه من أبي فأعطاه إياه، وعندما عرفتُ بكيتُ كثيراً يومها، وأبي يحاول أن يشرح لي لكن دون فائدة؛ شعرت أن قطعة مني انتُزعت، رحل أفضل صديق لي.
فوعدني أبي أن يشتري لي غيره وأن لا يعود إلا به، توقفت عن البكاء ولكنني لم أصدق أنه سيأتي به؛ لأنني ظننت أن ذاك الكتاب -من شدة جماله ومن شدة هوسي به- هو النسخة الوحيدة في العالم! ولكن أبي حبيبي -رحمه الله وأسعده في الآخرة كما أسعدني في الدنيا- أتى آخر الليل وهو يحمل ثلاثة مجلدات، اشترى لي الأجزاء الثلاثة. كان الأمر كالحلم تماماً، شعرت بفرحة لا مثيل لها، عانقت تلك الكتب وكأنني ألتقي بصديق عزيز جداً بعد غياب طويل؛ كانت أروع هدية أحصل عليها، وما زالت أفضل هدية حصلت عليها حتى اليوم.

بعض المواقف تُحفر في ذاكرتنا لأنها ارتبطت بمشاعر جياشة وأحاسيس مختلفة؛ ليست هناك هدية مميزة أو أفضل من غيرها، بل هناك أشخاص أفضل من الجميع، نعشقهم ونعشق قربهم فنعتبر ابتسامتهم في وجوهنا هدية ثمينة. نرى الأشياء العادية التي يتركوها لنا أغلى من الذهب لأنها كانت منهم. رحل أبي لكن السعادة التي تركها لي لم يرحل بها؛ لأنه أهداها لي كأفضل هدية على الإطلاق. لن يهديني أحد شيئاً أفضل أو أثمن؛ لأنه لا أحد أفضل ولا أرفع مكاناً من أبي حبيبي. عندما قرأت السؤال لم أفكر كثيراً ولم أعدَّ الهدايا التي أُهديت لي؛ لأنني أعرف أفضلها، تلك التي أسعدتني كثيراً وغمرت قلبي وروحي سكينة وأماناً، وما زالت تفعل ذلك حتى اليوم.






حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: