اكتب عن النهج الذي تتبعه في وضع الميزانية.
الحمد لله أن الأرزاق بيد الله، وإلا لأهلكنا أنفسنا بقلة تدبيرنا، ولكن الله سبحانه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ويقسم الأرزاق، وعنده كل شيءٍ بمقدار.

الرضا: الميزانية الحقيقية التي لا تُقدر بثمن
ربما ليست الميزانية اليومية هي التي تحدد نهج رضانا عن حياتنا، فالرضا وحده كنز لا يُقدر بثمن؛ عندما ترضى بما قسمه الله لك وتصرفه كما يحبه الله ويرضاه، تشعر أنك ملك من ملوك الأرض، ليس بمالك وأملاكك، وإنما برضاك عن نفسك وعن صرف ميزانيتك.
برأيي أنك مهما صرفتَ لن ينقص من رزقك شيء، بل كل ما يصلك هو أيضاً أرزاق لغيرك؛ تشتري خبزاً من الخباز وتعطيه ثمنه ليس لأنك تريد ذلك فحسب، بل لأن هذا رزقه ساقه الله إليه عبرك. أنت تشتري ملابس من محل معين ليس لأنك تريد هذا المحل بعينه، بل لأن رزق صاحبه ساقه الله إليه عبرك. فلا أنت تصرف أقل ولا أنت تصرف أكثر، إنما هي أرزاقٌ تُساق، قسمها الله على عباده وقدرها تقدير عليم خبير، وهيأ لكل رزقٍ سبباً.
فلسفة الرزق وبذل السبب
الرزق معلوم ومفروغٌ منه كالقدر المكتوب، وإنما عليك بالسعي وبذل السبب. أما الميزانية، فمهما حاولتَ أن تتذاكى فيها فلن تستطيع أن تقدرها تقديراً صحيحاً؛ لأنك لا تملك ما يكفي من علم وخبرة، وإن امتلكتها في حياتك، فأنت لن تستطيع أن تأمن الغد الذي يأتيك محملاً بالظروف المفاجئة.
ومهما حاولتَ أن توزع ميزانيتك بالتساوي فأنت لن تستطيع؛ لأن هذا رزقك قد قدره القدير العليم، وأرزاقٌ ساقها إليك، وكلٌ سيذهب لصاحبه شئتَ أم أبيت.
ذات مرة دخلت السوق وكان هناك الكثير من المحلات، قلت في نفسي: كيف يفتحونها بجانب بعضها؟ الناس سيشترون من واحد أو اثنين ولن يشتروا من الكل. ولكن رأيت أننا بعد أن خرجنا من محل دخلنا آخراً وجدنا فيه كل ما نريد، ونسينا شيئاً وقد ابتعدنا فاشتريناه من بائع على الطريق، فقلت في نفسي: سبحان الله! يسوق لكل واحد رزقه. نحن لا ندفع مقابل الأشياء الجيدة والأصلية فقط، بل ندفع لأن هذا المال رزق هذا البائع، زاد أو قل. فتعلمتُ أن لا أتحسر على الأشياء التي قد تكون رديئة، ولا على الأشياء التي أشتريها بثمنٍ باهظ لأنني مضطرة في بعض الأحيان، نعم تعلمتُ “أنني لا أخسر أبداً؛ فالمال الذي رزقني الله به لأشتري كل ما أريد، هو رزق الشخص الذي عنده ما أريد”.
حكمة الأقدار في المرض والظروف الطارئة
الرضا راحة تجعلك لا تتحسر على ضياع المال أو إنفاقه في لحظات حرجة وظروف طارئة، أنت فقط تُساق إلى حيث يريد الله لك أن تأخذ هذا الرزق وتُسلم رزق غيرك. وأحياناً قد يكون رزقك أشياء غير المال؛ أحياناً تتعب فجأة وقد جمعتَ بعض المال وادخرتَه لشيء كنت تريده، لكن صحتك تتدهور فتمرض بشدة وتذهب للمستشفى وتنفق كل ما قد جمعت. ألم يحدث معك هكذا موقف من قبل؟ في هذه المواقف ينقذك الله مما هو أعظم؛ فالمرض الذي يظهر فجأة هو إنقاذ لك، صدق أو لا تصدق، فقد ينقذك الله من تطور فيروس فتاك أو مرض خطير بدأ دون علمك ينهش جسدك. أحياناً حتى الأطباء قد يعطوك علاجاً لا يفيد حالتك التي أخبروك عنها، لكنه يكون علاجاً لمرض بدأ فيك لا أحد يعرفه غيره سبحانه.
قد تسعف صديقك أو أحد أفراد عائلتك على عجل وتنفق كل مدخراتك، وتعود للبيت فتعرف أن الله أنقذك من موقف أو حادث كان سيقع عليك؛ كلها أرزاق تسوقها الأقدار. سبحان الله! عندما تؤمن أن لله في كل أمر حكمة يطمئن قلبك وترتاح روحك وجوارحك، وتعرف معنى أن “نبت الرضا ذهب”.
بركة رمضان والأولويات الإيمانية
يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا بن آدم تفرغ لعيادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك). تفكرت في حالنا ونحن نستعد لرمضان وكيف تحل البركة بقدومه؛ تجد الجميع يسعى ليشتري كل ما يلزم بعيداً عن الترف والإسراف، وتجد أن البركة تحل على كل تاجر وعامل بمجرد نية الصيام. الأعمال تصبح مباركة، والأجور تزداد ومعه الأرزاق، لأن السعي في رمضان أصبح للدنيا أقل وللآخرة أكثر.
هي أولوياتنا فقط التي تجعلنا غارقين في الحسابات والادخار، أما أرزاقنا فقد كتبت في أقدارنا. لنجعل الرضا هو الأول، والرزق سيأتي في وقته، ونحن سنسعى بما يرضي الله عنا ويرضينا عن أنفسنا






حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: