
رمضان شهر البركة في الأرزاق، والبركة الروحية، والبركة في النفوس والأجساد. لماذا لا نستغل هذا الشهر لعلاج أرواحنا المنهكة من تعب الحياة، والمتصدعة من كثرة الأهوال التي تظهر لها في هذا الزمان؟
كل ما تحتاجه لتبني عادةً هو ثلاثون يوماً؛ ربما هذا الكلام يتكرر كثيراً، وربما مللنا من سماعه، وقد نكون جربنا تطبيقه على واقعنا وفشلنا في ذلك؛ لذا نحن لن نقدم لكم برامج طويلة وعادات كثيرة، لن نتحدث عن دراسات وأبحاث حول كيفية الالتزام وكيفية الاستمرار، نحن فقط سنمنح العقول إجازة، وسنعطي للقلوب مساحة شاسعة لتمرح فيها بكامل حريتها.
أولًا: المفاهيم المغلوطة الشائعة
1– رمضان = ضغط روحي:
إحساس بالذنب المستمر على ضياع الساعات الرمضانية، مع عدم القدرة على كسبها أصلاً؛ هو مجرد شعور يخنقك أنت المسؤول عنه. مقارنة مرهقة مع الآخرين؛ فلان ختم المصحف خمس مرات خلال عشرة أيام، وفلانة تصلي طوال ليالي رمضان، وفلان يتصدق طوال هذا الشهر الفضيل.. شعور بالفشل عند أي تقصير. كم أن هذا مرهق لنا جميعًا! بدأ رمضان.. لقد مضى منه أول يوم.. ثم ثاني يوم.. انتهت العشر الأولى (عشر الرحمة).. وهكذا نتحسر على كل يوم يمضي منه، وكأننا في سباق “معه” ولسنا في سباق “إليه”؛ وهذا تشويه نفسي للعبادة.
2– العبادة تحوّلت إلى أرقام:
عدد الختمات، عدد الركعات، عدد المحاضرات.. بينما لا أحد يسأل: هل تغيّر خلقي؟ هل رقّ قلبي؟ هل تحسنت حالتي النفسية؟ هل غيرتُ عادةً سيئة؟ وهل خرجتُ بعادةٍ حسنة على الأقل؟
مشكلتنا تكمن في تقديس الشكل وإهمال الجوهر؛ صيامٌ عن الطعام لا عن الغيبة، قيامُ الليل مع قسوة النهار، صوتٌ جميل بلا خشوع، وقراءة القرآن بلا تدبر أو تفكر؛ لأننا نريد أن نختم بسرعة، فهناك من يختم القرآن بأكمله ولم يقف حتى عند آية واحدة.
التدبر مقابل كثرة الختم (الكيف مقابل الكم):
الفرق الجوهري هو أن القرآن نزل ليعمل به الناس، والعمل لا يأتي إلا بعد الفهم وليس بعد الختم.
النصوص الشرعية: يقول الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]. لاحظ أن الحكمة من الإنزال هي “التدبر” وليس مجرد السرد؛ فأن تتدبر آية في ليلتك خيرٌ لك من قراءة عشرة أجزاء وأنت لم تفهم منها شيئاً.
قال ابن القيم رحمه الله: “قراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن”.
وقال أبو سليمان الداراني: “إني لأقيم في الآية الواحدة أربع ليالٍ، ولولا أني أقطع فكري فيها ما جاوزتها إلى غيرها”.
لنأخذ القرآن أخذاً صحيحاً، ولنجعل رمضان هذا نقطة تحول لنا؛ آية واحدة نتدبرها في يومه وليلته، نرددها بروح خاشعة، نطبقها على حياتنا ونجعلها نصب أعيننا طوال اليوم لننزع عن قلوبنا أقفالها؛ قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]. فلنبدأ في هذا الرمضان بهكذا بداية خفيفة علينا، محببة إلى ربنا، تكون لنا دواءً من كل داء لمعالجة نفوسنا المرهقة، وصدورنا الممتلئة بأحداث عامنا الذي فات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].
ثانياً: “التجديد” المعاصر… أين أصاب وأين أخطأ؟
ما أصاب فيه: سهولة الوصول للعلم، وعي بالصحة النفسية، ومساحات للنساء للتعلّم والمشاركة.
ما أخطأ فيه: تسليع رمضان، تحويله إلى محتوى استهلاكي، وربطه بالمظاهر والديكور والطعام.
لذلك فإن علينا تجنب الكثير من تلك المحتويات لكي لا ننجرف في تيار الشهوات؛ لنعظم شعائر الله في أنفسنا وبيوتنا قبل أن نعظمها على المواقع الافتراضية.
ثالثاً: العادات الجديدة الخاطئة في رمضان
عادات خطيرة لكنها “مقبولة اجتماعياً”:
الإفراط في الطعام باسم الإفطار: والبطنة تذهب الفطنة، وتصبح الروح خاوية رغم امتلاء المعدة.
السهر المفرغ للروح.
المسلسلات: التي أصبحت جزءاً “أساسياً” من رمضان؛ لنتجنبها قدر الإمكان لأنها ضياع للحكمة.
اختزال المرأة في المطبخ: ومع ذلك فهي مأجورة على ما تفعله، فليحتسب أجرها على الله، ولا تفكر في أنها أضاعت رمضان؛ الضياع هو أن لا تقدر ما تقوم به، فكل عمل لله عليه أجر، وهي تستطيع أن تستغفر أو تسمع محاضرات أثناء انشغالها بالطبخ، وهكذا تكسب المزيد من الأجر والثواب.
الضغط على النفس ببرامج غير واقعية: لا تكثر من العبادات وتكتب برامج وتنجز لأنك تريد أن تلتزم ببرنامجك فحسب؛ اجعل عبادتك تلقائية وخالصة لله حتى وإن كانت قليلة.
وأخطر هذه العادات هو تحويل رمضان إلى موسم استهلاك لا موسم تزكية؛ استهلاك روحي ونفسي وجسدي ومادي. وبدل أن يخرج وقد جددنا حياتنا وأصلحنا كل ما تعطل في ذواتنا، يخرج ونحن منهكون من كثرة الجري، ومغررون بأننا قد كسبنا الكثير من الأجر فيه، ونحن لم نكسب عادات جديدة ولم نزكِّ نفوسنا القديمة.
في علم النفس، “الترميم” يحتاج إلى تكرار مستمر وليس إلى مجهود عنيف لمرة واحدة، وهذا ما تؤصله الشريعة:
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإن قلَّ» [متفق عليه]. هذا النص هو “القاعدة الذهبية” في العلاج السلوكي الرمضاني؛ ركعتان في جوف الليل أو في بدايته نستمر عليهما أفضل من عشر ركعات ننقطع عنها.
سُئل بشر الحافي عن قوم يتعبدون في رمضان فقط، فقال: “بئس القوم، لا يعرفون الله إلا في رمضان، إن الصالح هو الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها”.
يقول السلف: “من علامات قبول الطاعة، الطاعة بعدها”.
الفرق النفسي: من يصلي طوال الليل ثم ينقطع، يصاب بـ “صدمة العودة للعادات القديمة”، أما من حافظ على ركعتين فهو قد قام بعملية “إعادة برمجة” حقيقية لعقله الباطن، مما يجعل العبادة جزءاً من هويته لا مجرد نشاط موسمي.
قال الله تعالى عن رمضان: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
إذا كان الله يريد بنا اليسر، فلماذا نعسر العبادة على أنفسنا؟
إن الهدف من رمضان ليس استهلاك ذواتنا في سباق الكم، بل أن نخرج منه بأنفسٍ قد استعادت سكينتها، وقلوبٍ تعلمت أن التدبر في آيةٍ واحدة قد يكون هو الشفاء الذي طال انتظاره.
بقلم الحرية: فاطمة الدفعي






حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: