بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله حمدًا يليق بعظمته، وإن كنا لن نبلغ عليه ثناء فهو كما أثناء على نفسه، نحمده بكل محامده، ونستعيذ به من الشيطان ونزغه ومن كل شركٍ خفيّ لا نعلمه، ونستعين بحوله وقوته فلا حول ولاقوة لنا إلا به سبحانه، والصلاة والسلام على حبيبه ونبيه محمد مسك الختام، وسيد الأنام وعلى آله وصحبه الكرام.
أما بعد…
عندما كنت اقراء كتاب عبد الكريم بكار دليل التربية الأسرية، وكتاب تأسيس عقلية الطفل، كنت أتذكر طفولتي وأقول في نفسي لو تربيت بهذا الأسلوب، وعلى هذه المفاهيم، كيف كانت ستكون شخصيتي؟! لو وجدت من يستوعبني ويستوعب أحلامي، ويسمح لي بالتعبير عن أرآي، وأفكاري ربما لكنت الآن أشغل منصبًّا كبير، أو أملك علمًا غزير وأبحاثٍ كثيرة واكتشافات جديدة.
ثم أعود وأقول لنفسي مواسيًّا: ربما كان سيكفيني أن تكون شخصيتي قوية، وثقتي بنفسي كبيرة، لا أخاف من شيء، ولا أتوتر من أبسط الأشياء، ولكنت أستطيع أن أتعامل مع كل المشاكل التي تطراء على حياتي.
ربما طريقة أهلنا في تربيتنا كانت خاطئة، ربما قسوا علينا تارة، وقارنونا بغيرنا تارةٍ أخرى، ربما جلدونا بألسنتهم على أخطأنا، وانتقدونا على كل تصرفاتنا، ولم يسمعونا إلا قليلا، ولم يهتموا لكلامنا كثيرًا، لكنهم بذلوا لنا كل مابوسعهم، وقد تعبوا لأجلنا كثيرًا، وضحوا بأغلى مايملكون مرارًا، وتكرارًا لأجلنا، وهذا ليس ذنبهم، لأنهم قد ربونا بالأساليب التي كانوا يروها صحيحة، ويرون أنها سوف تجعلنا أفضل وأنجح من غيرنا…
هم قد أعطونا كل مايعرفوه وعلمونا كل ماتعلموه، هم يرون أن انتقاد الطفل يجعله يجتهد أكثر، ومدحه سوف يجعله كسول، ويرون أن مقارنته بغيره سوف تحفزه على النجاح، وأن القسوة عليه تجعله لا يُخطئ، وكلامه غير مفيد، ولا معنى له، لأنه لا زال طفلاً، ففي مفهومهم سماعه، والأخذ برأيه يجعله يتدلل عليهم، ويتمرد…
وهذه كلها موروثات تناقلت من جيل إلى جيل؛ حتى أصبحت قوانين ضرورية لتربية الأبناء تربية صحيحة.
المشكلة هنا لا تكمن في التربية، وإنما في تفكير المُربين نفسه.
أنا الآن اقراء عن أسلوب التربية الصحيح… لكن، كيف أستطيع تطبيقها، وأنا بداخلي طفل لم يكبر؟! نعم بداخلي طفل لم يكبر، لأنه كان مكبوت في أعماقي، مقيد بقيود أجدادي، كلما حاول الخروج تذكر أن لا مكان له في مجتمع يقمع العفوية، ويقمع الإبداع والطموح.
كيف أسمع أبني وأنا بداخلي ضوضاء تُشتت ذهني، وتجعلني أحتار في أمري، وفي فهمه وإرشاده بشكل صحيح؟!
لكل طفل شخصية، ولكن في مجتمعي لكل طفل عصا تأدبه حين يعاند، وصراخ؛ حين يخطئ، وتوبيخ؛ حين يعيد الخطأ.
كيف أنظر لرأي أبني الذي لازال طفلاً، وهم مازلوا يتجاهلون أراي لأنني أصغر منهم سناً؟!
كيف أتعامل مع عناده وهم يرون أن عدم ضربه عليه تدليل وتخريب مني لأبني!
فكرت كثيرًا وتعبت أكثر؛ فكل المُعطيات تقودني إلى واقع لا يدعم أسلوب تربية صحيح ومُتقن…
لكن ماذا لو تعلمت كيف أثق أنا باسلوبي، وكيف أحسم أمري في تربية أبني، دون تدخل موروثاتهم السخيفة، وهذا يحتاج مني أن أدخل عالم الكبار أولاً، يحتاج مني أن أُحرر الطفل ذو الخمس السنوات المكبوت بداخلي عشرين سنة… ولذلك كتبت مقالي هذا للأطفال بداخل الكبار الذين يربون الأطفال الصغار…
وسوف أبدأ بالتعريف بالطفل الداخلي.
في علم النفس الشعبي، وعلم النفس التحليلي الطفل الداخلي هو الجانب الطفولي للفرد، الذي يشمل كل ما اكتسبه الشخص في فترة الطفولة قبل البلوغ. عادة ما يمثل الطفل الداخلي على أنَّه شخصية فرعية شبه مستقلة تتبع العقل الواعي للفرد.
تم طرح مفهوم هذا الجانب لأول مرة من قِبل الفيلسوف وعالم النفس كارل يونج. رأى يونج أن هذا الجزء يعيش في اللاوعي، ويمثل ذكريات الطفولة المكبوتة. من خلال استرجاع لحظات الطفولة السعيدة وبالتواصل مع هذه الذكريات، يمكن للفرد تحقيق التوازن النفسي.
وبحلول السبعينات، تم استعمال عدة أشكال لمفهوم “الطفل الداخلي”، من طرف مؤلفي كتب المساعدة الذاتية.
التحليل التفاعلي” كان هو الآخر من تيارات علم النفس التي سلطت الضوء على فكرة “الطفل الداخلي”. وهو فرع من التحليل النفسي تطور في الخمسينات، ويرى أن الطريقة التي نتصرف بها في وجود الآخرين نابعة من إحدى حالات الأنا الثلاث وهي بالتحديد الطفل، الوالدية، أو الراشد.
رغم كثرة استخدام المصطلح، ففكرة الطفل الداخلي هي في الحقيقة مبدأ مهم، ونافع نشأ عن العلاج النفسي.
والعديد من المدارس الفكرية العلاجية تعترف بالجانب الطفولي من شخصياتنا والذي يشير إليه الطفل الداخلي، ويطلقون على هذا المفهوم عدة تسميات ك “النمط الأولي للطفل”، “الطفل في الداخل”، “الطفل المعجزة”، أو “الطفل المجروح”
العمل على الطفل الداخلي يمكن أن يساعد في الأمور التالية:
• اكتشاف وتحرير المشاعر المقموعة التي تقيدك
• مساعدتك على التعرف على احتياجاتك التي لم تلبّ
• مساعدتك على فك/تسوية الأنماط غير المساعدة
• منحك فرصة لزيادة وتطوير اهتمامك بذاتك
• مساعدتك على أن تصبح مبدعا ومرحا
• تقوية احترامك الذاتي.
حياتك بأكملها تبنى على أول خمس سنوات من عمرك، فإما أن تكبر عقليًّا وجسديًا بشكل سليم، أو أن تكبر جسديًا، وتعلق طفلاً بداخلك.
طفلاً حبسته ذكريات طفولته المؤلمة، وقيدته مشاعر مكبوته لم تلقى لها مخرج، فعادت لتنهش داخله باقي عمره، تبتعد عن السلام وتصبح قنبلة تنفجر بوجه الجميع، لن تستطيع تربية طفلك، وبداخلك طفل يتمنى أن يتم فهمه، لذلك عليك أن تعامل مع طفلك الداخلي أولاً، ثم عالج ماضي طفولتك، وحرر مشاعرك المكبوته بداخلك، فلتفهم أبنأك؛ افهم نفسك، ولتتعامل معهم تعاملاً صحيح؛ تعامل مع مشاعرك المضطربة، ورتب كركبتك لتستطيع تنظيم حياتك الأسرية بشكل سليم، لذلك أنصحك بالتواصل مع نفسك، بالجلوس معها طويلاً حتى تصل بذاكرتك إلى طفولتك لتستطيع التعامل مع طفلك الداخلي.
لكن كيف يظهر الطفل الداخلي في حياتنا؟
يمكن أن يظهر هذا الجانب النفسي من خلال بعض السلوكيات والمشاعر التي نشعر بها دون أن ندرك مصدرها الحقيقي. ومن بين هذه السلوكيات:
• السعي الدائم لإرضاء الناس.
• الإحساس القوي بوجود خطأ كبير في الذات.
• محاولة التمرُّد باستمرار.
• عدم معارضة الآخرين.
• الشعور بالقلق الشديد.
• الشعور بالذنب حِيالَ وضعِ حدود في العلاقات.
• الميل للاكتناز.
• تخبئة الممتلكات، وعدم القدرة على التخلّي عنها وعن الأشخاص.
• وجود مشكلات في بدءِ المهام وإنهائِها.
• إظهار النقد الذاتي المتواصل.
• الإحساس بالخجل بِمُجرَّد التعبير عن المشاعر.
• الاندفاع لتحقيق إنجازات كبيرة، تفوقُ القدرةَ على التحمُّل.
• عدم القدرة على الوثوق بالآخرين.
• الخوف من الهُجران.
• الشعور بالخجل من الجسم.
• تجنُّب الدخول في صراعات مهما كانت النتائج.
• السعي نحو تحقيق الكمال.
وإذا لم تعالج طفلك الداخلي؛ فسوف تبقى شخصيتك شخصية مضطربة، وقلقة كثيرًا، شخصية خفية تتوارئ إلى الظل حين يُطلب منها أن تكون في الواجهة، توافق على كل تصرف، وعلى كل قرار دون تفكير ،تعمل كثيرًا لأجل من لا يستحق، تخاف من الرفض وتخاف أن لا يقبل بك المجتمع… تخاف من أن يتم رفضك فتسعى لتكون كاملاً أمام الناس وبداخلك نقص، واحتياج، تُجامل المنافقين وتُطيع المتكبرين؛ لأنك تخجل من نفسك، لذلك تحاول أن ترضي الناس على حساب وقتك ومشاعرك لمجرد أحساسك أنك غير مقبول، أو أنك ناقص وعليك أن تُغطي نقصك بأي طريقة تُرضي بها من حولك… وكما أن مرض هذه يكمن داخلك فعلاجك يبدأ من داخلك أيضًا.
وإليك هذه الخطوات لعلاج الطفل الداخلي.
• استمع إلى الجانب النفسي: خصص وقتًا للتأمل والاستماع إلى مشاعرك الداخلية.
• تقبل مشاعره: لا تحاول قمع المشاعر، بل احتضنه وتقبل عيوبه.
• استرجع ذكريات الطفولة: تذكر اللحظات الجميلة التي مررت بها في طفولتك وأعد عيشها بطريقة ما.
• عوض هذا الجانب: امنح نفسك الأنشطة والهوايات التي كنت تحبها كطفل.
• تحدث مع أخصائي نفسي: أحيانًا يكون من الضروري التواصل مع متخصص لمساعدتك على فهم ذاتك.
• مارس التأمل: التأمل يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيز التواصل مع ذاتك.
• كن لطيفًا مع نفسك: عامل نفسك بلطف كما لو كنت تعتني بطفل صغير.
كن طفلاً لمرة في حياتك، طفلاً يحتاج حب، وحنان، اهتمام واحتضان لنفسك، احتضنها كأنك تحتضن طفل بريئ، خاطب نفسك، وكأنك تخاطب طفل عفوي، وبسيط لا يفهم التعقيدات فقط يفهم الكلام المباشر، والصادق.
ابحث عن ذاتك وحين تجدها تمسك بها، ولا تُفلتها، وتأكد أنك لست بحاجة إلى من يفهمك، يكفي أن تفهم نفسك، ولا تنتظر من الناس أن يحترموك، حين لا تحترم نفسك، أبدأ بحترام أفكارك، وبتعبير عن مشاعرك، حبّ نفسك بنقصها، وبعيوبها وأخطأها، سامح نفسك على أخطأ الماضي، وكن أنت السند الذي تتكأ عليه حين تميل بك الحياة، كن أنت الطفل والمربي، الدكتور، والمريض، كن لنفسك كل ماتريده، ولا تخاف من شيء سوى من أن تخسر نفسك، وتظل تائه في الحياة، طهر قلبك من الأحزان والأسقام، ونقي روحك من غبار الماضي العالق فيها، وخصص لنفسك ساعة من يومك تحاسبها، ثم تغفر لها، وتعلمها وترشدها.
بعد أن تعالج طفلك الداخلي، سوف يسهل عليك تربية أبنائك تربية سليمة تنتج أبناء متوازنين، وأصحاء نفسيًا يسعون للنجاح بأرواح نقية، وقلوب عفوية.
قلم الحرية






حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: