الحجّ: رحلةُ التجرّد والعودة إلى الله


قال تعالى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [ سورة الحج : 26 ]
الحج عمل عظيم، والعمل العظيم لا يحتاج جهداً عظيماً، وإنما لإخلاص عظيم؛ فالفرائض والعبادات يجب أن تكون مدفوعة بالإيمان الخضوع لله سبحانه، لتنال شرف العبودية وتكون طائعاً لربك، مؤدياً لرسالتك، ومحافظاً على نقاء قلبك وطهر روحك. إن الله عز وجل غني عن العالمين، ولكنه يمحص المؤمنين ويختبر إيمانهم، وذلك ليصفي قلوبهم عن كل ما دونه، حتى لا يكون عملهم إلا لله وحده؛ هذه هي الحكمة من إخلاص النية قبل كل عمل، فتثبيت الإيمان يبدأ من النية الصادقة الخالصة لله وحده.
وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). فقد يكون العمل ظاهره لله، ودافعه كان حاجة صاحبه به نيل شيء من متاع الدنيا وزينتها؛ هذا العمل صالح في نظر الناس، وغير مقبول عند رب الناس؛ لأنه جل جلاله لا يرضى بالعمل الذي لا يُبتغى به وجهه وحده.
وفي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). فالقلب هو محل نظر الرب سبحانه، والعمل الخالص يُدفع من شغاف القلب ومن عمق الروح بنية خالصة لتعظيم العظيم ظاهراً وباطناً بالخوف منه وحده والرجاء فيه قبل كل شيء، بالسير في سبيله ومراقبته في كل خطوة، وبأن يكون كل عمل في الحياة لله وحده، حتى تعمير الدنيا يُنوى به العون على عبادته، وفي البحث عن رزق يُنوى به العون على ذكره وشكره، والنوم ينوى به الراحة لإعادة النشاط والسعي من جديد في سبيل رب العالمين؛ هكذا يكون العمل خالصاً مخلصاً له وحده.
وعندما نتكلم عن أداء فريضة الحج، فهذا يعني أن عليك أن تفهم كل ما عليك من آداب تجاه نيتك هذه؛ فالحج عظيم؛ لأنك تنوي به زيارة بيت الله الحرام، وما أعظمه من شرف! لذلك عليك أن تستشعر عظمته قبل زيارته.

فلسفة الإحرام والمساواة في حضرة الحرم الشريف.

قال تعالى{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [ سورة البقرة : 197 ]
بعد النية يأتي العمل، وأول أعمال الحج هي الإحرام الذي تخلع فيه أثواب العناء الملوثة بالذنوب، وتتجرد من نفاقك وجحودك وآثامك، وكل ما كان يثقل كاهلك من معاصٍ وذنوب، لتخلع أثواب الغرور التي ألبسك الناس إياها، وثوب الكبر الذي زينه الشيطان لأجلك. فأنت تخلع ثياب الدنيا المبهرجة بزينتها وتلبس ثوباً أبيض لا خياطة فيه، لا شكل له؛ أنت وآلاف المسلمين القادمون إلى بيت الله الحرام ترتدون زياً واحداً، فلا فرق بينكم لمن يراكم من بعيد، ولكن الفرق يعرفه الذي يعلم خفايا قلوبكم وعمق أرواحكم.

لا الأعراف ولا العادات والتقاليد تسمح لك بالتميز أو العصرية في حضرة الحرم الشريف؛ أنت في بيت الله عز وجل، والله ينظر إلى قلوبكم لا لأجسادكم. وفي ضيافة الرحمن، كل عباده متجردين عن التكلف، ملزمون بثوب التواضع والخشوع؛ لأنهم مقبلون على بيت ليس كباقي البيوت، مقبلون على خالقهم ورازقهم، فلا تفضيل بين عباده هناك ولا تمييز بينهم. فغنيهم يترك كل ماله وزينته، ويذهب إليه بثوب أبيض لا يكفي حتى لجسده، ليعلم أنه فقير إليه مهما بلغت ثروته.
وفقيرهم أيضاً يخلع أثواب العجز والذل والكدر، ويلبس ثوباً أبيض، شأنه كشأن غنيهم، ليعلم أن أصحاب الجاه والمال عند الله مجرد عباد مثل أصحاب البلاء والفقر، فلا المال ولا الجاه يرفع مقامهم على مقام غيرهم. فهناك في بيت الله الحرام، لا ينفع مال ولا بنون؛ ليفرح الفقير والعاجز والضعيف بأن العظيم سبحانه لا يفرق بين عباده إلا بتقواهم وإيمانهم، وهذا في علم الغيب عنده؛ لذلك أيها المسكين البائس الحزين فليبقَ أملك بالرحيم عظيماً؛ فلعلّك الأقرب إليه وأنت لا تشعر. إن الإحرام يؤدبك شئت أم أبيت؛ لأنك ذاهب إلى أعظم بيت، وكل ضيوف ربك لا فرق بينهم عنده.

من كل فج عميق: الهروب من الذنوب إلى سكينة الغفار
قال الحق سبحانه: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [ سورة الحج : 27 ]
في الحج يأتي الناس من كل بقاع الأرض؛ فمنهم الذي يأتي إلى ربه راكباً، والذي يأتيه مشياً على قدميه وقلبه يسبقه، والذي يأتيه هرولة من شدة شوقه إليه. ومع تقدم العلم وتعاقب الأزمان، أصبح الناس يأتون إليه بوسائل مختلفة -بالطائرات، أو القطارات، أو الحافلات، أو السيارات- لكل منهم فج عميق؛ طريق من بلده إلى بيت ربه، وفج عميق داخله، فيه الهموم والحاجات والأسرار الثقيلة مجتمعة، التي تريد أن تخرج لمكان آمن، لا خوف فيه ولا حزن.
فالكل يأتيه ليتوب عن معاصيه التي أكلت قلبه، وقد أكله ندمه عليها، وهناك عند ربه فقط سيجد الأمان والسكينة التي تعينه وتشجعه على أن يبوح بما يخاف أن يسمعه الناس أو أن يُفضح بينهم، فيتحرر منه عندما يبوح به لمن يعلم سره ويستر أمره، فيتوب عليه الرحمن ربه ويمحوها ويغفر له كل زلة؛ لأن الكريم يكرم ضيوفه بمغفرة عظيمة، أولئك الذين أتوه طامعين بكرمه، خائفين عقابه، راجين رحمته، هاربين منه إليه سبحانه؛ ما أحلمه وما أرحمه!
وتبقى رحلة الحجُّ أعظمَ رحلةٍ يعودُ فيها الإنسانُ إلى حقيقتِه الأولى؛ عبدًا ضعيفًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا بالله.
هناك تتساقطُ عن القلبِ أثقالُ الدنيا، وتنكشفُ للنفسِ حقيقتُها بعيدًا عن الزينةِ والأسماءِ والمكانة، فلا يبقى إلا العبدُ وربُّه.
فالحجُّ ليس انتقالًا من بلدٍ إلى بلد، بل انتقالٌ من الغفلةِ إلى اليقظة، ومن التعلّق بالدنيا إلى التعلّق بالله، ومن ثقلِ الذنب إلى سكينةِ المغفرة وبرد اليقين برحمة ربّ العالمين.

بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي


اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading