تغير مسار جيشٍ بأكمله من أجل نملة، لذلك ثقّ أن الله عز وجل سيغير القدر لأجل دعواتك…
تخيّل مشهد ذلك الجيش العظيم؛ خيولٌ تصهل، وجنودٌ يملؤون الأفق، وقعُ أقدامٍ يزلزل الأرض، وقعقعة سلاحٍ تصمُّ الآذان، ومواكب من الجن والإنس والوحوش تسدُّ عين الشمس تحت قيادة أعظم ملكٍ عرفه التاريخ.. وفي زاوية منسية من الأرض، هناك “نملة” صغيرة، لا يُسمع لها صوت وسط هذا الضجيج الكوني، تهمسُ بخوفها وخوف قومها: { حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ }[ سورة النمل : 18 ]

من عظمة القرآن أنهُ ذكر حتى خوف النملة؛ لتعلموا أن الله يعلم كل شيء، وبيده كل شيء، ولتعلموا أن رحمته وسعت كل مخلوقاته. حتى النملة الصغيرة لم ينساها الله، ولم يتجاهلها حاشاه، يحفظ كل المخلوقات، فمابالك بقلبك الخائف؟
نبيّ الله سليمان -عليه السلام- بجيشه العظيم، الذي يقوده وهو في ذروة قوته وسلطانه، يوقف هذا الزحف المهيب، ويصمتُ كل ذلك الضجيج، ليسمع كلام نملة صغيرة، فيتبسمُ ضاحكاً ويغير مسار جيشه لأجلها!
{ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } [سورة النمل : 19]
هكذا هم العظماء؛ متواضعون لكل المخلوقات. تبسم بسمة إمتنان في لحظة سعيدة جدًا بالنسبة له، لحظة إدراكه أن قدرته على سماع “الضعفاء” هي النعمة الحقيقية، فدعا ربه بالتوفيق للشكر. ومع كل هذا الملك، سأل الله أن يُدخله برحمته في عباده الصالحين.. أي تواضع وأي رقيّ هذا؟!
أين نحنُ من هذه العظمة؟ نبي أعطاه الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده ومع ذلك يقرُّ أنه لن يكون من الصالحين بعمله؛ بل برحمة الله له. وكما غيّر الله قدر نملةٍ صغيرة بكلمةٍ صادقة، سيغير قدرك بدعوةٍ خفية ترسلها للسماء.
تذكر دائماً أن صلاحك هو امتدادٌ لبرّك، وكل نعمةٍ تلمس روحك هي دعوةٌ مستجابة لوالديك أيضاً؛ فأنت جزءٌ من تعبهما، وصلاحك هو الثمرة التي يسقيها الله برحمته. وكما نجا وادي النمل ببركة “نبي”، ستنجو أنت ببركة “يقينك” و”دعوات والديك” التي تسبقك وتغير مسارات القدر في طريقك.
حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: