مرحلة ماقبل التغيير.

صِف مرحلة في الحياة كان من الصعب نسيانها.

بعد أن تعرف أنك كنت غبياً وساذجاً، وأن كل من حولك استغلوك كثيراً، عندما تستفيق من غفلتك بعد صفعات الحياة المتكررة؛ تلك مرحلة ما قبل التغيير، مرحلة الظلام الدامس، والليالي الطويلة التي يعقبها نهارٌ شاحب، أيام ثقال وساعات تلدغك عقاربها 12 مرة كل نهار.

“لقد كان الألم في تلك المرحلة هو المعلم القاسي الذي لم أطلبه، لكنني احتجته؛ لم يكن مجرد وجع عابر، بل كان ‘مشرط جراح’ لا يرحم، يغوص في أعماقي ليبتر أورام السذاجة والغباء التي تراكمت لسنوات. كان لزاماً أن ينزف قلبي ليتطهر من ثقته العمياء، وأن تحترق روحي ليتساقط عنها رماد الضعف. ففي قانون الوعي، لا يمكن للعين أن ترى النور بوضوح ما لم تذرف دمعاً يغسل غشاوة الأوهام”.

ما قبل التغيير مرحلة موت بطيء، تموت روحك تعباً وجسدك يعيش مكرهاً متألماً، مرحلة مقايضة الروح؛ فإما أن تعيش حياة كريمة، أو أن تموت منتحرة من ذل اليأس وبأس الإحباط الشديد. في تلك المرحلة تمر الأيام وهي تأخذ منك ومن صحتك، أيام نهارها ضبابي لا وضوح فيه ولا هواء نقي تستطيع أن تتنفسه، غيوم سوداء قاتمة تحوم فوقك لتمنع النور من التسلل إليك، وليالٍ باردة لا قمر فيها، حتى النجوم لا تتلألأ في سمائها. في تلك المرحلة تموت ألف مرة، تختنق أنفاسك، وتذبل روحك من شدة الجفاف وتتصحر أحلامك وتغطيها رمال الهموم المتراكمة، وتظل تلك الرمال زاحفة حتى تغطي كل مساحاتك الخضراء الزاهية، تصبح جرداء قاحلة…


مرحلة موت نسختك القديمة مؤلمة وشديدة الوطئة على القلب والروح، لأنك هكذا فقط تُبعث من جديد لتكون شخصاً جديداً؛ شخصاً صافح الموت وعانقه، لن يكون نفس ذاك الشخص القديم أبداً، سيكون أكثر وعياً ونضجاً، وأكثر فهماً وحلماً، سيعرف الكثير في عمر صغير؛ لأنه لم يتعلم بالحفظ والترديد، بل بالألم والتطبيق.

“وهكذا، من قلب تلك الأرض التي تصحرت وأكلت الرمالُ خضرتها، نبتت في داخلي جذورٌ من نوعٍ آخر؛ جذورٌ تعلمت كيف تستخلص الحياة من شحّ العطاء، وكيف تزرع الصبار في عزّ الجفاف. الشخص الجديد الذي بُعث من حطام النسخة القديمة لا ينتظر من الحياة نعيماً جاهزاً، بل يصنع من خيباته دروعاً، ومن جراحه بوصلةً تدله على طريقه الحر، بعيداً عن قطيع الساذجين.”


اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ردان على “مرحلة ماقبل التغيير.”

  1. أعلم جيدا بشاعة هاته المرحلة،لكن إن شاء الله هي خطوة لطريق زاهر وعوض يخفف عنك مرارة تلك اللحظات القاتلة.

    1. جزاكِ الله خيرًا، وشكرًا لمروركِ الكريم.

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading