
{وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [سورة الأنبياء: 76]
النداء ليس هو نفسه الدعاء، فمعناه مختلف؛ معناه رفع الصوت بطلب المنادى، فهو اللحظة التي تدرك فيها الذات الإنسانية حدود عجزها المطلق، فتقرر الخروج من سجن “الأنا” الضيق لتستنجد بـ “الوجود المطلق”.
وبين يدي الله، قد تدعوه وأنت تملك بذل السبب، قد تدعوه للوصول لأنك تسعى، لكن عندما تصل لعجزٍ تام وتعبٍ شديد وطريقٍ مسدود لا مخرج فيه؛ هناك أنت لا تدعوه “سخر لي الطريق” أو “أعني على فتح هذا الباب”، لأنك بعد مشقة التعب تناديه نداء العاجز الذي لا يمكن أن ينقذه سبب، وإنما بمعجزة فقط.
يقول الإمام محمد الغزالي (في فقه الدعاء): “النداء في القرآن هو صيحة الفطرة حين تضيق بها السبل. ليس النداء علواً في الحنجرة، بل هو علو في ‘حرارة الطلب’.. وزكريا نادى نداءً خفياً لأن روحه كانت تصرخ بالرجاء بينما لسانه يهمس بالأدب”.
نادِ اللهَ بحرارة عجزك، وبأعلى صوتٍ داخل روحك؛ ليس لأنه لا يسمعك أو لأنه بعيد -حاشاه- ولكن لتشهد على نفسك بأنها ليست شيئاً لولا خالقها العظيم، لكي يكون نداؤك خالياً من أي صوتٍ آخر يشوش على داخلك.
الاستغاثة بملكوت الله
إذا نشب حريقٌ بداخل منزلك، ألن تطلب النجدة؟ ألن تصرخ بأعلى صوتك ليأتي أكبر عدد من الناس لمساعدتك وإخراجك من الحريق؟ ألن تشعر بالقهر وبحرارة الموت وعجزك عن نجدة نفسك فتصرخ مستنجداً ليسمعك الذين حولك؟ هذا هو النداء. لكن مع القريب السميع البصير، المطلع على كل شيء والعالم بأحوال عباده، ليس النداء برفع صوتك لأنه يسمع سرك قبل جهرك، ولكنه نداءٌ بكل الجوارح، مشتعلٌ بانكسار الروح، ومرتفعٌ بشعور العجز المكبوت.
ومع كل نداءٍ لله ذُكر في القرآن الكريم، ذُكر بعده: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}.
{وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ… فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}
{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ… فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ… فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}
في وجعك وضرك وتعبك نادِ الرحمن الرحيم، لا تلتفت للأسباب إلا وقد لجأت للمسبب. إذا أصابك مرضٌ نادِ الله واشكُ له وجعك، نادِ الذي بيده كشف الضر، ثم التفت لما سخر لك من أسباب. لكن قبل كل شيء نادِ الرحمن الرحيم وقل: “ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين”؛ سيرحمك وسيزيل ما مسك من ضر. قبل أن تتخبط بين الأطباء والمستشفيات بحثاً عن علاج لمرضٍ قد يحيّرهم، فيزيدون همّك ويفقدونك الأمل في عافيتك؛ نادِ كاشف الضر ليكشف عنك مرضك ويسخر لك علاجك.
أدب الأنبياء في حضرة البلاء
{۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (84)} [سورة الأنبياء: 83 إلى 84]
ما أروعه من دعاء! دعاء الصابرين؛ لم يقل “إني أتألم” أو “قد ضرني المرض وعذبني”، ولم يقل “إني مضرور”، ولم يضخم البلاء رغم أن مرض نبي الله أيوب -عليه السلام- كان شديداً حقاً، لكنه قال: “مسني الضر” فقط. لم يقل أهلكني أو سيطر علي، بل “مسني”؛ لكي لا يسخط على ابتلاء الله له، وهذا قمة الأدب في النداء. استصغر ضره وعظم رحمة خالقه، كأنه عتاب الصبر بقوة إيمان، واستخفاف بالعجز بعد اللجوء لله بكل صدق. هكذا هم الأنبياء؛ عندما يشتد صبرهم وتقل حيلتهم يتوجهون إلى الله، ثم يغلب عليهم حبهم لربهم فيعظمونه ويستصغرون كل ما مسهم. هكذا هم عظماء بإيمانٍ عظيم يعجز الوصف عن وصفهم.
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ… رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ}.
رحمة وذكرى للعابدين؛ ليتذكروا أن البلاء مهما اشتد فرحمة الله أوسع مما يظنون، وليتذكروا أن الأبواب مهما أُقفلت فرحمة الله تفتح بدل الباب ألفاً عندما يتوكلون عليه وحده ويصبرون في سبيله. ليتذكروا أن لا يوجد “مرض عضال” كما يقولون، بل ضرٌّ يمس الجسد والله وحده القادر أن يكشفه برحمته. ليتذكروا أن لا علاج ولا أطباء ولا تقدم يفيد إلا برحمة الله لهم وكشفه هو عن ضرهم.
مواجهة وساوس الشيطان
{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [سورة ص: 41].
عندما نادى أيوب ربه قال: “ربي إني مسني الضر”، وعندما اشتد ألمه قال: “ربي إني مسني الشيطان بنصب وعذاب”. فمرضه قد طال وزاد، وهذا ليس مجرد ضرٍ عابر أو مرضٍ خفيف، لكنه لم يقل “قد ابتليتني يا رب بكل هذه الأمراض”، ولم يقل “قدّرت عليّ هذا”، بل قال “مسني الشيطان بمشقة وعذاب”.
ليس المرض من الشيطان -حاشا لله- لكن الجزع أحياناً، وضعف العزيمة، ونفاذ الصبر، واليأس من الحياة؛ هذه كلها تأتي بسبب الشيطان. في المرة الأولى قال: “مسني الضر وأنت أرحم الراحمين”؛ ثقة برحمة ربه وأن بيده كشف ضره. لكن في المرة الثانية قال: “مسني الشيطان بنصب وعذاب”؛ زاده مشقة فوق تعبه بوساوسه، وزاده عذاباً بسبب محاولاته ليضعف إيمانه.
العذاب هنا ليس كالعذاب المعروف بالجلد والضرب، بل هو عذاب الروح وتعذيب القلب بالكلمات المسمومة، ومحاولة التأثير على العقيدة؛ محاولة تغيير الرضا إلى سخط. ربما كان الشيطان يعايره ويثقل أكثر على قلبه؛ المعايرة والمقارنة ومحاولة تغيير النفوس الراضية، هذه كلها أعمال شيطانية يمارسها شياطين الإنس والجن، فاحذروا من أن تنقلوا القلوب المتعبة.
إبليس كان كل همه أن يجعل نبي الله يسخط على قدر ربه، حاول بكلامه المسموم أن يتغلغل أثر وساوسه خلال عقيدة نبي الله أيوب، لكن الله عز وجل يعلم أين يضع رسالاته. وكل ما أصاب نبي الله أيوب -عليه السلام- ليس لأن الله أراد أن يختبره فقط، بل ليكون صبره وبلاؤه لنا عبرة وعظة، ومواساة عند الشدة، وتخفيفاً من الله على من يتحمل ألم وتعب الحياة. هذا نبي الله أيوب خسر كل ما يملك حتى عافيته، ولكنه كان يملك إيماناً عظيماً جعله صابراً محتسباً، وبإيمانه قاوم الألم والحزن والتعب. فلماذا نقنط نحن من ضيق العيش، ومن تعب الروح ومرض البدن؟ نحن في عافية وفي خير ما دمنا نملك إيماناً يغنينا عن التحسر على الدنيا وزينتها، ما دام بداخلنا يقين يعيننا على تحمل الصعاب والمشاق والألم والمرض.
حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: