“قلم الحرية” وأمازون.. معركة الذات ضد المستحيل

صِف أكثر مشروع طموح نفَّذته على الإطلاق وكان بمقدورك القيام به بنفسك.

إذا كان عليّ أن أصف أكثر مشاريعي الطموحة، فلن أختار مشروعاً تجارياً أو وظيفة مرموقة، بل سأختار رحلتي في بناء “عالمي الخاص”؛ تلك الرحلة التي بدأت بمدونة “قلم الحرية” وانتهت بوقوف اسمي على منصة “أمازون” العالمية.

لقد كان هذا المشروع معركتي الشخصية التي خضتها بمفردي تماماً. بدأتُ من قلب المعاناة في اليمن، حيث لا تقتصر العوائق على الجانب المادي فحسب، بل تمتد لتشمل قيوداً تقنية وجغرافية تفرضها المواقع العالمية علينا. قضيتُ عاماً كاملاً أصارع خوارزميات “جوجل أدسنس”، أحاول ربط مدونتي بالعالم، واجهتُ الرفض التقني والتعقيدات التي كادت أن تطفئ شعلة الأمل، لكنني آمنتُ دوماً أن الفكر لا يُحاصر، والكلمة الصادقة ستجد طريقها مهما طال الزمن.لم أتوقف عند المدونة، بل خضتُ التحدي الأكبر: النشر العالمي عبر أمازون. لقد كان مشروعاً طموحاً تطلب مني تعلم كل شيء من الصفر؛ من تنسيق المخطوطة يدوياً، وتجاوز عقبات الـ PDF، إلى فهم شروط الحقوق الرقمية والتسعير العالمي. لم يكن خلفي جيش من المساعدين، بل كان خلفي “إرادة” ترفض الانكسار.

اليوم، حين أنظر إلى كتابي الثاني الذي نشرته على أمزون بعد كتاب  “طفلك الداخلي” كتاب “شجرة تثمر ذهباً” مستعد لمصافحة القراء حول العالم، أدرك أن القيمة الحقيقية للمشاريع الطموحة لا تكمن في تصفيق الجمهور، بل في تلك اللحظة التي تكتشف فيها أنك استطعت بناء “جنتك الخاصة” وسط الركام، وأنك حققت حلمك بيدك، وعقلك، وصدقك.. وحيداً، إلا من توفيق الله.

هذا السؤال قلب عليّ مواجعي، فكل مشروع طموح يبدأ بحماس وشغف صاحبه، وهذا الحماس يدفعه نحو المجهول بعزيمة وإصرار، ثم يجد العقبات في طريقه، ومع ذلك لا يهتم لها بل يثابر لتجاوزها والوصول لمشروع أحلامه، ولكن الناس الذين يقابلهم في ذاك الطريق اسواء من تلك العقبات بكثير، ناس باردين وغير مباليين، عند هؤلاء الباردين يبرد الحماس وتقل العزيمة..

وأنا لطالما كانت الكتابة شغفي وهوسي منذ طفولتي؛ لقد صادقتُ القلم منذ عرفتُ سر الحروف والكلمات، ورافقتُ الكتب منذ فقهتُ البلاغة وسحرني البيان. وبعد أن وجدتُ طريقي نحو النشر، وحققتُ حلم حياتي في نشر العلم وفكر “الجيل الضائع” ــ وأنا منهم وفيهم ــ أتيتُ من نفس تلك المتاهة التي ضاعوا فيها. كتبتُ عن الوهم المسيطر علينا، وعن الشباك الخفية التي قيدتنا، وكتبتُ عن الباطل الذي زينته الحداثة وطورته التكنولوجيا، حتى أصبح جزءاً من حياتنا يقيدنا ونحن نظن أنه يحررنا.

بعد كل شيء، كتبتُ أحد عشر كتاباً ناقشتُ فيها قضايا مختلفة، وشرحتُ أفكاراً معقدة، وأزلتُ الغبار عن الحقيقة المنسية في دهاليز الواقع التي أضحت مهجورة. كتبتُ صفحات كثيرة ولم أجد من يدققها لي، فتعلمتُ التدقيق. ثم أردتُ نشرها فقيل إنها تحتاج لغلاف، فتعلمتُ التصميم وصممتُ أغلفة كتبي. ثم قيل إنها تحتاج لتنسيق رقمي، وكنتُ لا أعرف عن هذا شيئاً، ومع ذلك نسقتُ الملفات. لم أجد من ينشرها، فقمتُ بالبحث والتخبط حتى استطعتُ نشرها بمفردي. كانت بدائية في مظهرها، لكن كلماتها وأفكارها وكل سطر فيها كان يفوق هذه الحضارة وتطورها؛ قد لا يكون التنسيق احترافياً، لكن المواضيع فاقت الاحترافية وتعدتها بمراحل.

ومع كل ذلك، ما زلتُ وحدي في هذا الدرب. لم أيأس يوماً من كتاباتي ومن مهاراتي، فهي في تطور مستمر كل يوم، لكنني يئستُ من الناس الذين لا يقدرون الفكر المختلف عن فكرهم، ولا يهتمون لشخص يحاول أن يوقظهم من غفلتهم. جربتُ أن أفتح قنوات ومواقع ومجموعات، وفي كل مرة أجد أنني أملك “محتوى” ولا أملك “متابعين”، لأنني أكتب ولا أقوم بصقل أفكاري لتناسب عقولاً تعودت على البهرجة فقط. أكتب دون صور براقة، ودون أن أحول كلماتي إلى فيديوهات تشرح أفكاري؛ لا موسيقى ولا مؤثرات، إذًا “لا قراء هنا”.

لقد خذلتني الحقيقة؛ وهي أن كتابي ليظهر على هذه المواقع، عليّ أن أبني جمهوراً، والجمهور يريد الكلام المختصر السطحي. في النهاية، أدركتُ أنني لا تنقصني الخبرة، وأن كلماتي وكتبي مميزة وأكثر مما أتوقع، أنا فقط لا أتوسل أحداً، ولا أطلب متابعات ولا إعجابات، لأن مبدئي لا يتغير ولن أطلب شيئاً كهذا من أحد. أنا لا أشرح جمال كتاباتي، ولا أنشر إعلانات ترويجية، لا أمدح مقالاتي ولا كتبي، لأنني أؤمن أن من يقرأها سيعرف قيمتها.. أنا أسير على مبدأ: “عملي هو الذي يتحدث عني”.
لقد أصبحت المتابعات والإعجابات في هذا الزمن هي التي تحدد مَن الأفضل، وهذا محض هراء! بعض المواقع تنال آلاف الإعجابات وهي إما لفتاة تنشر صورها، أو شاب يقلد غيره، إما لشخص ينشر تفاصيل حياته المملة، وإما لشخص ينتقدهم جميعاً. لكن بعض الكُتاب يبقون في الظل، لأن أقلامهم مختلفة عن كل الأقلام، ولأن أفكارهم تخالف السائد، ولأن أسلوبهم أعمق من أن تستوعبه عقولٌ مشتتة في مواقع افتراضية.

لا بأس، حتى وإن كنا مهمشين لن نندم على اختلافنا بين “قطعان” لا تستطيع أن تفرق بين أفرادها. لا بأس أن أبقى وحدي وهم ألوف وملايين، لن أسير معهم فقط لأنهم كُثر، بل سأسير وحدي لأنني أملك هدفاً أكبر وحلماً أنقى؛ وهو أن أنير لهم طريقهم، وأن أجعلهم يدركين “جوهريتهم” بعيداً عن نسخ الشخصيات التي لا تشبههم.
حتى وإن عشتُ حياتي في الظل، فأنا لا أزال أكتب، وهذا يعني أنني أنحتُ طريقي بقلمي. سأظل أكتب ليبقى أثري، حتى وإن مات جسدي وانتهى عمري، سيبقى عملي شاهداً على رحلتي، وسأبقى شيئاً مختلفاً ومميزاً يستحق أن يخلده التاريخ. الخاسرون حقاً هم من ينتهي بهم العمر وهم يبحثون عن هوية تناسبهم، وشخصية تساعدهم على العيش في أجسادهم الفانية بأفكار قديمة بالية.


اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading