“بعد أن تحدثنا في المقال السابق عن كون القرآن ربيعاً للقلوب وشفاءً للأرواح، نبدأ اليوم أولى محطاتنا التأملية في رياض هذا الربيع. واليوم، نقف عند سورةٍ وصفها الله بأنها ‘أحسن القصص’، ليس فقط لجمال أحداثها، بل لعظيم أثرها في ترميم الأرواح المنكسرة. إنها سورة يوسف؛ حيث يمتزج الألم بالأمل، والجبّ بالتمكين، لنتعلم كيف يكون القرآن شفاءً حقيقياً لأوجاعنا الإنسانية.”

شذرة اليوم: تأملات في سورة يوسف: الأمل في غيابات الجب
{لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} [سورة يوسف: 7].
هنا ستجد كل الآيات التي يبحث عنها السائلون عن الحب والرحمة واللطف الرباني؛ للسائلين عن الجبر بعد الكسر، وعن الأمان بعد الخوف، وعن اللقاء بعد الفراق، وعن نهاية الصبر الجميل، وعن الحب الذي لا يموت، والحزن الذي يطفئ عيون المحبين. ستجد الخيانة بدافع الحب، وستجد الأحلام العظيمة يحققها ألمٌ عظيم.
نبيٌ عظيم أراد الله أن يعلمه التأويل، لكن دلال أسرته له قد يجعله لا يتعلم، فالدلال الزائد لا يبني رجالاً جَلِدين. كيف لنبي عظيم أن يصنعه الله وهو في حضن أبيه لا يعرف قومه وظروفهم؟ الأنبياء يربيهم الله عز وجل وإن كانوا أبناء أنبياء. حب نبي الله يعقوب كان كبيراً جداً ليوسف عليهما السلام، لكن:
{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10)} [سورة يوسف: 8-10].
لمن يسأل عن الغيرة:
أنت لا تملك قلبك، ولا تستطيع أن تتحكم في مشاعرك، والحب شعور يولد في كل قلب. حب أبيك يولد معك ويكبر معك، ثم تتملكك الغيرة على من تحب حتى قد تغار من أخيك الصغير؛ قد تغار على أبيك لأنه أذاقك نفس ذاك الحب في صغرك، وعندما كبرت كبر حبه في قلبك، وهو أحب أخاك الصغير كما أحبك وقد دلله كما دللك. قد تغار حتى وأنت رجل كبير من أخيك الصغير!
الغيرة ملازمة للحب، والحب يعمي القلب، وهذا ما دفع إخوة يوسف ليتآمروا عليه؛ حب أبيهم وشوقهم لحنانه الذي أغرقهم فيه منذ نعومة أظفارهم. إن الحب الذي لا يحكمه العقل تحكمه الغيرة، والغيرة لا تملك عقلاً. عندما تغار تُجَن، وإذا لم تُحكّم عقلك قد تتهور وتفكر بأن تقتل من أجل أن تحظى بقلب من تحب. عذر إخوة يوسف مسموح، لم يكن بدافع الحقد بل بدافع الحب. ثم تكلم الذي يستخدم عقله فهدأهم لكي لا يقتلوه، لكن شوقه لأبيه لم ينطفئ وحبه مازال يشتعل كالجمر في قلبه فقال: “لا تقتلوه وألقوه في غيابت الجب ليلتقطه بعض السيارة”. هنا حبٌ أيضاً، لكن أعماه حب أبيه أكثر من حب أخيه.
{وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} [سورة يوسف: 21-22].
أي حزنٍ انتاب نبي الله يوسف عليه السلام؟ أي قهرٍ عصر قلبه؟ أخذوه إخوته من حضن أبيه ودلاله ليلعب معهم، وقد ذهب بكل سعادة فهو مع عُصبة من الرجال الأشداء، سيذهب وهو في الأمان يلعب دون خوف.
هنا درس عظيم في آية عظيمة: لا تركن على الناس، لا تأمن حتى وأنت في حماية أعز الناس، فالله وحده الأمان. وأنت في بيتك، في حضن أبيك وفي دلاله، تنعمُ بالله وحده الذي يحفظك ويحميك، وأنت بين إخوتك الرجال الأقوياء الله وحده من يحميك؛ قوتهم لن تحميك، وحبهم لن يكفيك، فلا تخف من أي خيانة لأن حتى الوفاء لا يحمي قلبك بل هو حفظ الله لك ولقلبك. فإن خُذلت فهو خيرٌ أراده الله لك، فلا تبتئس وتضيع مشاعرك بالحقد على من خذلك أو طعنك وخانك، فأنت حتى حين تمت خيانتك كنت في حفظ الله ورعايته.
نبي الله يوسف في غيابت الجب وحيداً يفكر فيما حصل له، والسيارة تسير إليه، بل يسوقها الله إليه. ثم يأخذوه وهو طفل خائف وحيد حزين؛ أي قهر أعظم من هذا القهر؟ ثم يبيعوه بضاعة! ذاك الولد المدلل، أخو العصبة من الرجال، يُباع ويُشترى كالبضاعة! أين الأب الحنون؟ وأين الإخوة الذين يسندوه وينصروه؟
هكذا يُصنع الأنبياء؛ تُصنع قلوبهم بالألم والوحدة والحزن من أجل ألا تتعلق بأحد، فقط تتعلق برب العالمين. لكي تؤمن إيماناً خالصاً يجب تنقية القلب من كل الشوائب، يجب طرقه ثم صقله ليتعلم أن الأمان والحب والرحمة في كف الرحيم، وأن القدر سيمضي بشره ليقودك لخيره؛ ليتعلقوا بمن لا تنقطع حباله ولا يترك عباده. ثم يطغى حب الله على كل حب وكل لذة، فتصبح تلك القلوب لله وحده، وكل همها أن تُعرف الناس على الله عز وجل بعد أن عرفته وآمنت به.
قلوب الأنبياء جواهر، كلها بريق أملٍ لا ينطفئ. فنبي الله يعقوب عليه السلام عرف بأن أبناءه يريدون أن يتركوا أخاهم، فقد أنبأه الله بذلك، وربما عرف مكانه وهو وحيد في غيابت الجب، لكنه الإيمان الخالص؛ إنها النبوة العظيمة. لم يذهب إليه رغم حزنه الشديد ولم يعاتبهم، بل صبر صبراً جميلاً على أبنائه وعلى خوفه وحزنه، لأن هذا قدر ابنه يوسف أن يعيش بعيداً عن إخوته لكي يعلمه الله تأويل الأحاديث، فلو كان بينهم لم يتعلم، فكيدهم كان سيأتي كما أخبره أبوه، لكنهم كادوا له حتى قبل أن يعرفوا أنه نبي وقد اختاره الله من بينهم.
كلها أقدار الله لحكمة، حتى وإن لم تفهم الحكمة في البداية ستفهمها في النهاية، عندما تعرف أن خيانة أخيك أو قريبك أو صديقك كانت رحمة من الله عز وجل لكي يبتعد عنك، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون، وأن الوحدة والحزن تقودك إلى مؤنسك الذي يحفظك ويحفظ قلبك ويقودك لقدرك العظيم، ويكفيك عظمة حبه في قلبك.
علمتني سورة يوسف أن لا أيأس أبداً.
علمني نبي الله يوسف أن لا أرضى بالعبودية وأن أعمل كل ما باستطاعتي من أجل الحرية. علمني نبي الله يوسف أن لا أحلم فقط بأن أتحرر، بل علمني أن أحلم بأن أحكم البلاد وأكون الملك.
علمتني سورة يوسف أن لا أحزن على أحبتي الذين فارقتهم، لأني سأجدهم في مكان أفضل، وفي منصب أعلى، وفي حياة أجمل، وسيستقبلوني أجمل استقبال حين نلتقي.
علمتني سورة يوسف أن العتاب مضيعة للوقت وزيادة للبؤس، أن العتاب لا ينفع ولن يجدي بل سيزيد من الحقد والحزن في القلب، لذلك نبي الله يوسف أسرّها في نفسه ثم عفا عن إخوته.
علمتني أن لا أعتمد على أحد حتى أهلي لأنهم قد يضيعوني، لا أعتمد إلا على الله.
نبي الله يوسف رماه إخوته فأرسل الله له عزيز مصر ليكفله، لم يشترِ نبي الله بل هو ذهب لخدمته. تعلمت من سورة يوسف أن لا أغتر بالكثرة ولا بالمال، وأن أبعد الأنظار عني قدر ما استطعت. علمتني أن لا أتكلم عن أحلامي الجميلة وأحتفظ بها بعيداً عن الناس وأخفيها في مكان آمن حتى يأتي وقتها. علمتني أن العلم لا يمكن أن تمنعه أربعة جدران، فالعلم يدخل حتى للسجن ويحيي كل سجين به. علمتني سورة يوسف أن الأمل موجود حتى في غيابات الجب.
{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [سورة يوسف: 15].
كلُ أقدارِ اللهِ تقودكَ إلى خيرٍ كبيرٍ لا تعرفهُ، عليكَ بالصبرِ والاحتسابِ، وتذكر.. أن الأملَ موجودٌ حتى في غيابات الجُبّ. كلُ آيةٍ فيها حياةٌ وأملٌ كبيرٌ.
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [سورة محمد: 24].
في القرآن حتى الحرف الشارد الوحيد له معنى كبير، وله أهمية لا تدركها العقول المقفلة والقلوب المتحجرة.
اترك رداً على الأمل موجود حتى في غيابات الجب – ومضات في تطوير الذاتإلغاء الرد