أنقِذ نفسك منك: عن النفس اللوامة ومعارك الذات.

يقولون إن أصعب الحروب هي تلك التي نخوضها بلا أسلحة، وأشرس المعارك هي التي يكون فيها الخصمُ والحكمُ هو “نحن”.
في هذه “الشذرة الثانية” من سلسلة مقالاتي المستوحاة من كتابي (شذّرات)، لا آخذكم في نزهة، بل في رحلة استكشافية إلى تلك المساحات المظلمة والمضيئة داخل أرواحنا. هنا، حيث تشتعل نار الحقد لتأكل صاحبها، وحيث يبرز الغفران كأعلى مراتب القوة، نكتشف معاً سر القسم الإلهي العظيم.. (النفس اللوامة).

إليك أيها المسافر في دروب الحياة، كيف تضع سلاحك وتتصالح مع ذاتك، لتهزم عدوك الداخلي وتستعيد بوصلة قلبك مع القرآن الكريم لكي لا تخرج هذا الشهر الفضيل وأنت كما دخلته.

نحن في رحلة لا تتوقف ولا تنتهي إلا بموت الرحال. رحلة الحياة لا تخطيط فيها لأن القدر قد رسمها لنا من قبل، لذلك فلتطمئن قلوبكم ولترضَ بالقدر ولتسير بحذر فالطريق مجهولة… مهما ظننت أنك قد فهمت الحياة ستتفاجأ بجهلك فيها أكثر بعد أن تلتقي أولئك الناس الذين يظهرون عكس ما يبطنون؛ شئت أم أبيت ستلتقيهم، وستعرف أنك طوال رحلتك كنت تجهل نفسك، سيخرجون أسوأ ما فيك ليثبتوا لك أنك أسوأ منهم… تزود بالثقة المطلقة والحلم والسكينة، حتى وإن كنت في آخر الرحلة فلا تيأس من نفسك… اجعلها بداية حياة ولا تجعلها نهاية لك؛ لا ترضخ لهم ولا تهتم لقولهم فيك وخوضهم، بل ثق بنفسك وتجاهل كل ما يؤذيك.

حرب الخير والشر

داخل كل إنسان تُقام حربٌ ضروس بين الخير والشر؛ بين نفسٍ مؤمنة وقرينٍ فاسد يأمره باتباع شهواته، وبين شيطانٍ يزين له عمله فيجعل الشهوة ضرورة لا ضرر فيها.
وفي القلب تجتمع كل المشاعر المتناقضة: الحب والكره، القسوة واللين، الخوف والأمان. فهناك حروب دائمة تُقام داخل كل إنسان، ولا أحد يصل للسلام الكامل في داخله.

كم من سنين أو أشهر أو حتى أسابيع أكل قلبك البغض، ودمرك الغضب، وقادك الحقد لشن هجوم أنت خاسر فيه؟ ارحم قلبك وأنقذ نفسك منك، وسامح ماضيك وحتى حاضرك؛ سامح نفسك وتصالح معها وانسَ كل شيء.. فقط انسَ دون تفكير، دون تبرير.

الحقد والحسد والكره تلك المشاعر السوداء مصدر الشقاء الرئيسي للقلوب؛ فنار الحقد مهما كانت صغيرة ستحرقك، وظلام الكره مهما حاولت إخفاءه سيظهر في حياتك وسيجعلها معتمة سوداء قاتمة بعد أن ينتشر.

عدوُّك في مرآتك
إذا كنت أنت عدوَّ نفسك فمن سيعاديك أيها المغرور؟ كل إنسان عدوُّ نفسه شاء أم أبى.
فأنت تستطيع أن تتعامل مع العدو الخارجي، لكن العدو الداخلي سيقضي عليك دون أن تعرفه. زأكبر عدو لنفسك هو أنت، فتوقف عن معاداة كل من حولك، وتصالح مع نفسك ليتصالح الناس معك.
فكيف تنتظر من الناس أن يتوقفوا عن محاربتك وأنت تحارب نفسك بنفسك؟ تأكد أن لا أحد يكرهك، بل لا أحد يذكرك، لكنك تكره الناس وبسبب هو سوء ظنك. فإن كان كلامهم قاسياً عليك أو حتى تصرفاتهم حمقاء معك، فهذا لا يعني أنهم يخططون لشن حرب ضدك، لكنك أنت بدأت تكره الجميع دون سبب مقنع. فتلك المواقف والتصرفات والكلمات، وحتى الخيانات قد انتهت لديهم، بل إنك أنت أيضًا أصبحت لاشيء بالنسبة لهم.
وبغض الطرف عما تسببوا لك فيه من ألم وحزن، لكن كراهيتك وبغضك لهم سيدمرك أنت فقط؛ أنهِ وجودهم من حياتك، ثم أخرج كل ما يخصهم، وبعد ذلك تصالح مع الكره، ودعه يرحل قبل أن يدمرك. فالحقد عليهم لن ينفعك، بل سيحرقك حتى تعود رماداً، وستخسر المعركة وحدك؛ المعركة التي قامت داخلك وبدأت تحارب فيها ضد نفسك، اتخذت أسلحة قوية وأعددت العدة فخرجت ولم تجد غيرك!

لترتاح منهم انساهم وعِش حياتك لوحدك بعيداً عنهم، ولتنتقم منهم “سامحهم”؛ فهم سيخافون منك فقط عندما تغفر لهم جرائمهم، مهما كانت كبيرة في حقك؛ غفرانك سيجعلهم يرونك أقوى منهم، سوف يخافون من ثباتك وسلامك الداخلي، وسيندمون على ما فعلوه بعد أن يروك لم تتأثر، هم سيتأثرون بدلاً عنك. لا تتأكد ولا تبحث عن زلاتهم، ولا تستفسر عنهم، ولا تهتم بتأثرهم ظهر أم لم يظهر، فقط اهتم بمحوهم.
كن وفياً ومخلصاً ورقيقاً وصادقاً مع نفسك ومع من حولك، ولا يغيرك الناس وحقدهم. دع الحقد والكره مجرد شعور عابر وودعه بابتسامة باردة.
بشرى العائدين
«{وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [سورة القيامة: 2]
سبحان من أقسم بالنفس اللوامة، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم.
النفس اللوامة هي نفس المؤمن التي تلومه على ترك الطاعة، وعلى كل ذنب صغيراً كان أو كبيراً؛ تلومه على تقصيره وتعيده لرشده كلما نسي نفسه.
النفس اللوامة هي الطيّبة التي يحملها أصحاب القلوب الكبيرة، تجعلهم يتأثرون بكل كلمة، ودائمًا مشاعرهم متقلبة، كلمة تأخذهم وكلمة تعيدها. هل تعلمون ماذا يعني نفس لوانة؟ تعني حروب قائمة بداخل صاحبها، تعني وقوع ثم وقوف، ثبات ثم انحراف، تعني أنك يامن تملك ضميرًا يؤنبك ستعود لخالقك مهما أبعدتك الذنوب أنت ستعود بتوبة نصوحة وبقلب جديد، يامن أتعبتك نفسك بشراك إن كنت من العائدين رغم عصيانها لك، بشراك إنك تجاهد في سبيل الله عدوك الذي قد يهلكك من داخلك، فهذا العدو ليس عاديًّا أبدًا… لا تيأس ولا تترك التوبة مهما كثرت ذنوبك ومهما انحرفت مساراتك، ارجع فطريقك إلى يبدأ من لومك لذاتك على تقصيرك وتفريطك بجنب ربك، مادمت تلوم نفسك فأنت مازلت في صفوف المؤمنين حتى وإن سولت لك نفسك أنك قد خرجت ولن ترجع لتلك الصفوف، لا تصدقها ولا تصدق الشيطان حين يزين لك سوء عملك ويحاول أن يجعلك تيأس من روح الله ومن نفسك اللوامة التي أقسم بها سبحانه، عُد مهما ابتعدت فأنت تجاهد في طريق عودتك والجهاد من أعظم مراتب الإيمان، جاهد نفسك الأمارة بالسوء ولا تتخلى عن نفسك اللوامة لكي لا تخسر الندم على الذنوب والعودة بعد القطيعة لتوبة نصوحة ولربٍّ غفور تواب على من يتوب.


اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

One response to “أنقِذ نفسك منك: عن النفس اللوامة ومعارك الذات.”

  1. […] أنقِذ نفسك منك: عن النفس اللوامة ومعارك الذات. […]

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading