القرآن ليس للتلاوة، والتجويد، والتباكي، والتخويف فحسب؛ بل هو دستور حياة، فيه أسرار الكون، ومفاتيح الروح التي يجهل الكثيرون عظمتها، وما يعلم ماهيتها سوى خالقها العظيم. نحنُ لم نُخلق عبثاً -حاشا لله- والقرآن ليس مجرد كتاب، بل هو حياة، وطاقة، وقوة عظيمة؛ فيه الحاضر، والماضي، والمستقبل، وفيه الأمان، والسكينة، والسلام. كل ما يتمناه الإنسان البائس موجود في القرآن الكريم.
ليست مجرد كلمات كتبتها، ولا تُعتبر تعبيراً مجازياً أبداً؛ بل هي حقائق غفل الجميع عنها.

في القرآن الكريم كل كلمة لها ألف معنى، وألف شعور.
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [سورة القمر: 40].
سبحان من يسر لنا القرآن، ويسر لنا به الذكر العظيم؛ خالق الأكوان وعالم أسرارها. القرآن يسير ولله الحمد، والذكر يحتاج لقلبٍ مفتوح: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [سورة محمد: 24].
القرآن ذكرى لأولي الألباب، أصحاب العقول السليمة الذين يسمعون فيطيعون، ولا يجادلون: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [سورة الكهف: 54].
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [سورة الفرقان: 32].
شذرة عملية: جرب اليوم أن تقرأ صفحة واحدة فقط، ولكن ببطء شديد، وابحث عن “الكلمة” التي ستكون هي طاقتك لهذا اليوم
قراءة الآيات تحتاج قلباً قوياً؛ فهذا رسول الله ﷺ نزل عليه القرآن بالترتيل وبهدوء ولم ينزل جملة واحدة، لأنه أعظم من أن يستوعبه حتى قلب أعظم خلق الله إيماناً وتصديقاً. كان نزول القرآن في أوقات متفرقة ليستوعب الرسول الآيات ويستوعبها المؤمنون. واليوم، نرى من يختمون القرآن أكثر من مرة وفي أسرع وقت، ولكنهم لم يستوعبوا حتى آية، لأنهم يحاولون أخذه جملة واحدة؛ لذلك لا تتثبت أفئدتهم به!
{لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الحشر: 21]. ابحث عن الآية التي ستثبت فؤادك ولا تتعجل في قرائتك، فقرائة آية واحدة تتشربها روحك فتعالجها خيرًا لك من قرائة جزء كامل وأنت لم تقف حتى وقفه لأخذ قسطًا من السكينة وزادًا من اليقين، القرآن يغيرك شئت أم أبيت، ولكن قف أنت وحاول أن تستوعب أين تكمن أقفل قلبك، وعندما تعرف أين الأقفال اقراء وأنت تريد أن تستوعب لا أن تختم فقط، ستجد المفتاح إن بحثت عنه بقلبك وروحك، وليس بعينيك ولسانك، لا تقرأه بأقفالك وإنما حاول أن تفقه لتفتح إدراكك وتستوعبه بقلبك ليفتح لك مسارات تغذّي بها روحك بعد أن انسدت مسارات التغذية بالذنوب والأحزان المتراكمة، والعجز عن دفع الهموم بعد أن عجزت عن الحفاظ على سكينتك ومفتاح قلبك.
سؤال لك أيها القارئ: متى كانت آخر مرة توقفت فيها عند آية واحدة وشعرت أنها تخاطب جرحك الشخصي الآن؟
حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: