ما الذي يُشعرك بالملل؟
فلسفة الحضور.. عن ضيوف الوقت وسارقي العمر

في المجالس المعتادة، نجد أحاديث متكررة عن الحياة اليومية فقط، وهذا ما يبعث على الضجر. الجلوس الطويل مع الضيوف لمجرد أنهم ضيوف يُجبرنا على البقاء معهم طويلاً لكي لا يُقال عنا “غير محترمين”، فنضطر لسماع أحاديث مملة عن حياتهم وأعمالهم اليومية، وهكذا في كل يوم وكل جلسة، حتى تشعر أن النهوض من تلك الجلسات ليس قلة احترام للضيوف بقدر ما هو قلة احترام لذاتك واستخفاف بعقلك.
إن سماعك لأحاديث لا تعنيك ولا تفيدك هو قلة احترام لذاتك؛ فالثرثرة سُوسٌ ينخر في عظمة العقل، بينما الصمت الواعي هو المساحة التي تنمو فيها الأفكار العظيمة. نحنُ العرب نكرم الضيف، وهذا هو المعروف عنا، لكن ضيوف اليوم غير ضيوف الماضي؛ فليس الكرم أن تبقى مع الضيف وتقطع عملك وتضيع وقتك أو تستخف بعقلك بسماع أحاديث لا تنفعك. إن من يسرق وقتك دون وجه حق، لا يختلف عمن يسرق مالك، بل هو أشد، فالمال يعوض أما العمر فلا يُسترد. لم ولن يكون ضياع الوقت ذات يوم كرماً، ولا أعلم من الذي وضع لنا هذا القانون؛ “قانون الجلوس مع الضيف”، بل نجد كل يوم مجلساً جديداً يذهبون إليه ليكونوا ضيوفاً فيه.
لستُ ضد تلك المجالس بالكامل، فزيارة الأرحام واجب وأجرها عظيم، والكلمة الطيبة لها تأثيرها على الأرواح والقلوب، والاهتمام كرمٌ ونُبلٌ من صاحبه لمن يهتم به؛ لستُ ضد هذا كله، لكنني ضد الثرثرة الطويلة وتضييع الوقت مع كل عابر وكل فارغ متعطل عن عمله يأتي ليعطلك عن عملك.
الملل هو شعور طبيعي ناتج عن استمرار الحالة نفسها لفترة طويلة، الملل هو أن تعيد تكرار العمل والكلام نفسه لساعات طويلة. كونوا خفيفين في الزيارات، وفي الكلام، وفي الجلوس. لا تتهموا من يحترم وقته بقلة الاحترام للناس والضيوف والعابرين؛ فلقد علّمنا القرآن “أدب الانصراف” في قوله تعالى: {فإذا طعمتم فانتشروا}؛ فالدين الذي أرسى قواعد الكرم، هو نفسه الذي أرسى قواعد حفظ وقت المضيف وخصوصيته. احترام الوقت يعني أن تجلس أقل وتتكلم أقل، أن تأتي للمجلس مبكراً وتخرج منه مبكراً. أما احترام الناس، فهو ألا تضيع أوقاتهم، فليس الجلوس الطويل معهم احتراماً بقدر ما هو غباء. فاجعلوا حضوركم دائماً “شذرة” تضيء المكان وتغادره، لا “عبئاً” يثقل كاهل الزمان والمكان.
حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا: