لنقرأ القرآن… لنختم به على همومنا

في رحلة الحياة ستتعب كثيراً، لكنك لن تجد الراحة إلا إذا رضيت بحقيقة أن الحياة كلها تعب؛ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [سورة البلد: 4]، أي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا. هذه حقيقة قرآنية لا يمكن لأي إنسان تجاوزها؛ لذا لا تبحث عن السعادة والرخاء المطلق، فحتى الأغنياء تجدهم متعبين من أشياء قد تكون أكبر من الأشياء التي تتعب الفقراء.
الحل الوحيد لراحة الإنسان هو أن يعترف بهذه الحقيقة؛ أن يعترف بأن الدنيا كلها تعب وليس هناك راحة مطلقة فيها؛ إن ارتاح نفسياً تعب جسدياً، هي دار بلاء وابتلاء. وعلى الإنسان أن يرضى عن حياته ويسلم أمره لله، وأن يفهم حقيقة أن الحياة الدنيا كلها تعب والعيش فيها مكابدة، وأن الراحة الحقيقية في دار أخرى عند الرحمن الرحيم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ} [سورة الانشقاق: 6].

سلم أمورك لله فهو أرحم بك من أمك وأبيك، واستسلم لهذه الحقيقة، واترك عنك التذمر والشكوى. لا تنتظر الراحة ولا تصبر على التعب لأنك تريد أن تصل بعده لراحة وهمية ترسمها لك نفسك الأمارة بالسوء؛ لكي لا تظن بالله الظنون، ولكي لا تقنط من رحمته. هو قد قال لك إنه خلقك في كبد، وأنك كادحٌ إليه كدحاً لكنك ملاقيه، وهذا هو الفوز العظيم.

إن رضيت وسلمت لهذه الحقيقة أرحت قلبك من تعب التسخط ومن استعجال راحتك؛ إن أيقنت بها هانت عليك كل بلية وهان عليك تعبك. ارضَ ولا تتمنَّ على الله الأماني؛ فعندما ترضى ستبدأ تتقبل تعب الحياة وستعتاد عليه حتى تراه شيئاً عابراً في أيامك، وأنت لا منتظر ولا مترقب ولا متمنٍ، بل إن قلبك سيكون مليئاً بالطمأنينة وروحك تغمرها السكينة ولسانك ذاكراً شاكراً، لا مشغولاً ولا لاهثاً.
هذه الآيات ليست للقراءة العابرة، بل هي معجزة خالدة ودستور للحياة متجدد بتجدد العصر والزمان؛ فلا تكن مع الآيات من القارئين العابرين، بل كن من المتدبرين العاملين بها. نحن في شهر القرآن نقرأ لنختم ولنزداد أجراً، لكن ماذا لو قرأنا لنتدبر ولنملأ قلوبنا التي أفرغتها الحياة بالإيمان؟ لنقرأ القرآن لتنفخ في أجسادنا التي أصبحت مادية روحٌ من أمر الله، تعيد لنا الحياة الروحانية بجوار الرحمن الرحيم.

قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة الشورى: 52]. الكتاب والإيمان هما الروح، وهما للروح انبعاث وحياة. لنقرأ القرآن ليس لنختمه في رمضان فحسب، بل لنختم به على همومنا التي أثقلتنا، وعلى جروحنا التي أرهقتنا، وعلى أنفسنا التي أمرتنا بالسوء فثبطتنا. في هذا الرمضان، لنقرأ القرآن ولنجعل لنا كل يوم ساعة نتدبر فيها آية.. تدبر هذه الآيات بعمق وجدد الروح البالية التي فيك.

قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}
[سورة الشورى: 52]
وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) }
[سورة الإسراء: 85 إلى 86]
{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ}
[سورة غافر: 15]



اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading