رحلة إلى أغوار النفس البشرية (2)
بين وهم الكمال وسجن الأقنعة

في قانون الحياة.. لا حياة لضعيف إلا في خدمة الشياطين؛ لأنهم يوهمونه بأنهم سيعطونه القوة، بينما هم يستنزفون ما بقي لديه منها. ولا حياة لغبيٍّ إلا في سجون الأذكياء. وأنت في حيرتك لا تعلم من أي نوع أنت؛ هل أنت السجين أم السجان؟ هل أنت القوي أم الضعيف؟ وكعادتك تقول لنفسك: “هذا الكلام ليس لي، فأنا غير الجميع”.

صوت الحقيقة الداخلي
ربما نفسك تريد أن تنفجر فيك وتقول لك: “الجميع فريقان لا ثالث لهما؛ فريق الشر وفريق الخير”. فإن كنت من فريق “الخير” (بمفهومك الساذج) فأنت مسجون في الوهم ومخدوع بزيفهم، وإن كنت من فريق “الشر” فأنت من صنعت الوهم وسجنت الناس فيه.
أيها “الكامل”.. حدث نفسك عن الكمال قليلاً. قل لها أنك طيب وحنون ورحيم، وأنك لا تطيق الثرثارين لكن طيبتك تحتم عليك مجاراتهم، وأنك لا تحب الكذابين لكن حنيتك تجعلك تصدقهم، وتكره الخائنين لكن رحمتك تجبرك على مسامحتهم. حدثها عن كل مرة رمى بك الناس في سوء ظنونهم، فقابلتهم بحسن ظنك، وعن لومهم المستمر لك بينما لا زلت تلهث خلف رضاهم.

ضريبة الطيبة العمياء
سيعلقون أخطاءهم عليك، ويرسمون ملامح الندم، ويعصرون دموع الخداع ليصدقهم قلبك، فتسامحهم بحسن ظنك، وهم سيرضون عنك بسوء ظنونهم. ثم سيكافئونك على رقة قلبك وكمال عقلك بتركك فور إيجاد “أغبى” منك، لكنهم لن يرحلوا إلا بعد كسر قلبك وقتل رقتك وتمزيق كمالك أمام عينيك.
حينها فقط.. ستظهر خباثتك، وستنسى كيف تسامح، ولو كنت أظهرت “حقيقتك” من قبل ما تجرأوا عليك، لكنك فضلتهم على نفسك، فأضعت نفسك ثم أضاعوك.

طريق العودة والكمال الحقيقي
لا تغطِّ عيوبك إن أردت الكمال، بل ابحث عنها لتعرفها ثم غيرها بهدوء. إن إخفاء العيوب هو تضليل للنفس، ولا سبيل للخلاص إلا بالمعرفة. من يحبك بصدق سيساعدك لتتغير، ومن لا يحبك سيتركك، وهذه نعمة؛ فلا تمقت عيوبك فهي التي كشفت لك من حولك.
حين تقرر أن تتغير لله فقط وليس للناس، ستبدأ بالتفكير، وحين تفكر ستعرف، وحين تعرف ستبدأ العمل. استعن بالله ولا تعجز، فهو الغني عنك وأنت الفقير إليه، والجأ إليه لترى ألطافه الخفية تحفك من كل صوب.

انفجار النفس المخدوعة
ربما ستنفجر نفسك باكية، فهي الوحيدة التي سترحمك منهم. ستخبرك أنك كنت “غبياً” ومخدوعاً، فليس الكامل من يرضى الناس عنه، ولا يأتي الكمال بالثناء والمدح.
احذر أن تجمع شخصيتك من آراء الناس فيك، فأنت بذلك تمحو ملامحك الحقيقية لترسم قناعاً لا يناسبك. هم يريدون إلباسك “قناع المثالية” لتكون واحداً منهم في قطيع النفاق، وعندما ترتديه ستعيش على غير طبيعتك، وتذوق طعم الخوف في كل مرة يُمزقه الواقع. لن تعيش لنفسك، بل ستعيش لخادمك (القناع المزيف)، وستنسى نفسك في سجنها، بينما تُحرر كل النفوس الخبيثة التي ستجد فيك ملاذها الآمن.

الاستقامة والرضا
ستعرف الطريق إليه حين تستقيم نفسك، وتذوق حلاوة الرضا حين ترضى أنت عن نفسك. ستنقشع غيوم الوهم ويظهر نور الطريق، لتعود لنفسك أمنها وأمانها. هناك ستعرف أنك أضعف من أن تعيش الحياة وحدك، فتتجه للقوي ليقويك، وسيستجيب لك متى ما أخلصت له وتركت رضا الناس لترضه.
الله سبحانه يقبل عباده على طبيعتهم؛ يقبل العاصي والطائع. قد يهدي العاصي حين يصدق في توبته ويمزق قناع الخباثة، وقد يضل الطائع حين تكون طاعته مزيفة وخالية من الإخلاص. من عاش يراقب الخلق ونسي أن الله يعلم ما تخفي الصدور، سيضل الطريق في النهاية، لأن نتيجة النفاق هي الضلال، وستر الحقيقة لا يعني إزالتها.

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

“إذا لامست هذه الكلمات شيئاً في أعماقك، فلا تدع الرحلة تنتهي هنا. اشترك في مدونة (قلم الحرية) لتصلك خفايا النفس البشرية أولاً بأول عبر بريدك الإلكتروني.”
[ (https://qalamalhurriya.com/follow) ]


اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading