فخ المثالية: لماذا نرتدي الأقنعة ونخفي حقيقتنا عن أنفسنا؟ بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

أهلاً بكم في جزء جديد من سلسلة مقالاتي المقتبسة من كتابي  (رحلة إلى أغوار النفس البشرية). اليوم نغوص معاً في واحدة من أدق تفاصيل النفس: الصراع بين الحقيقة والقناع…”

نعيش في صراع دائم بين ما نحن عليه حقاً وبين الصورة التي نصدرها للعالم. في هذا النص، نغوص في أعماق النفس البشرية لنكشف كيف يتحول السعي نحو الكمال إلى سجن، وكيف نصبح عبيداً للصورة المثالية التي رسمناها بأيدينا.

الهروب من مواجهة الذات
نحنُ في الحياة نُخفي ملامحنا عن أنفُسنا، نظُن أن هذه قوة، بينما نحنُ أضعاف من مواجهة خوفنا؛ نخاف من نبشّ عُيوبنا واكتشاف السيء فينا، نخاف أن تهتز صورتنا أمام أنفُسنا.
قد نرسم لنا صورة جميلة، وأجمل مما نحنُ عليه، أو نرسم صورة قبيحة لا تُمثلُنا، لكننا نريد أن نحتفظ بها فقط؛ لأننا رسمنا فيها ما ينقصنا حقاً، ثم نخاف من اكتشاف الحقيقة، نخاف أن يسقط قناع الكمال الذي ارتديناه أمام الجميع، فتظهر لهم حقيقتنا.

الخوف من أحكام الناس والظنون
ومع أن حقيقتنا قد لا تكون بذاك السوء، لكنهم لن يرحمونا من ظنونهم، فكل ما يَخفى على الناس فيه ريبة مهما كان جيداً. إننا نخاف من الناس، ومن الأقارب، ومن الأصدقاء؛ نخاف أن يعرفوا ما في قلوبنا من مرارة.
لقد اجترعنا المُر لأجل أن تبقى صورنا الجميلة ثابتة في أعيُننا، وكُنا نخدع أنفُسنا بها أمام الناس، ولا شيء يخدعهم، فمهما أظهرت الطيبة لن يروها، فهم يُصابون بالعمى حين تدعي المثالية الزائفة.

سجن الكمال ودهاليز النفس
ذاك الكمال أنقصك في عين نفسك. لقد استهزأ بك وأخذ نفسك لدهاليز عميقة، فأخفاها عنك، ثم تركك وحيداً في صراعك مع طباعك السيئة؛ تحاول كبحها قدر استطاعتك، فتخرج لتفضح سرك، فتتألم على مثاليتك، ثم تعود تُلملم ما انكسر منك بسببها، فتُجمل كل قبيح ظهر لهم، وتُغطيه بأقبح الأعذار؛ هم صدقوك، وأنت صدقت كذبك.


التضحية بالذات في سبيل “البطولة”
كم قاسيت وحدك؟ كم تألمت حين ابتعدت عن نفسك؟ شكوت وحدتك فلم يزدك ذلك إلا سكوتاً؛ سجنوك في وطن لا تعرفه، وقيدوك بأغلال المثالية التي ابتدعوها عليك، وأنت لا تُريدها. لكنك قدمت نفسك قرباناً لهم، وأحببت سجنك حين قالوا عنك بطلهم.
جعلوك ملاكاً، وأنت شيطان، فكيف لنارك أن تتحول نوراً أمامهم؟ لقد استدرجوك لتكون خادمهم، حين ألبسوك تاج السيادة عليهم. لم ترَ الأغلال لأن بريق التاج أشغل ناظريك، وعميت عن حيطان السجن؛ لأنك كنت تنتظر أن تحكم مملكتهم بكمالك، وحسن خدمتك لهم.

هذا النص هو جزء من رؤية فلسفية ونفسية أطرحها في كتابي “رحلة إلى أغوار النفس البشرية” بقلمي: فاطمة محمد الدفعي. ترقبوا الأجزاء القادمة من السلسلة حصرياً على هذه المنصة.


اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

One response to “فخ المثالية: لماذا نرتدي الأقنعة ونخفي حقيقتنا عن أنفسنا؟ بقلم الحرية: فاطمة الدفعي”

حضورك هنا دافع، وكلماتك تشجيع أعتز به.. فاترك أثرًا:

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من قلم الحرية 🖊

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading