فضولنا القاتل: كيف حوّل الروحانيون عالم الجن إلى فخ للعقيدة؟

لطالما استهواني عالم الجن، ذلك العالم الغامض الذي كلما أبعدني الخوف عنه، أعادني إليه سحر الغموض. لكني في رحلة بحثي، لم أكتشف حقيقة هذا العالم، بل اكتشفت حقيقة أعظم بكثير: حقيقة أن لله خلقًا لا نعلمهم، وعوالم غيبية أكبر وأكثر من مجرد عالم الجن والإنس.لقد جعل الله من الإنس والجن “الثقلين”، ربما لأن عداوة الشيطان لآدم وذريته جعلته لا يفوت فرصة للنيل منهم، أو ربما لأن الإنسان، بطبيعته الفضولية وكثرة جداله، انشغل هو والجن عن المهمة الأعظم التي خُلقوا لها – عبادة الله – وانشغلا ببعضهما البعض.لقد أصبح كل منهما يتوق لكشف عالم الآخر، ذلك الغيب الذي ما جعله الله غيبًا إلا ليؤمنوا بوجوده، لا لينشغلوا بكشفه.أعلم كم أن هذا الكلام محبط لمن فضوله أكبر منه. لكن العوالم التي أخفاها الله عنا، أخفاها رحمة بنا، لكي لا ننشغل بها عن عالمنا الحقيقي، وننسى مهمتنا في تعمير الأرض وإصلاح أنفسنا. الحياة قصيرة جدًا، فلماذا نضيعها في البحث عن أشياء إن عرفناها شتتنا، وإن جهلناها لم يضرنا جهلها؟ هناك حقائق ستبقى مخفية، لأن معرفتها قد تفسد عليك حياتك. {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.الإنسان، هذا الكائن الصغير مقارنة بالكون، قرر أن يكتشف أسراره. فتوجه بعضهم للشعوذة والخزعبلات، والبعض الآخر توجه للعلم والأبحاث. والمفارقة أن كل ما اكتشفه العلماء حتى الآن، من كروية الأرض إلى طبيعة النجوم، هو موجود بالفعل في قرآننا الكريم.ماذا استفدنا نحن كمسلمين من هذه الاكتشافات؟ لا شيء جديد. نحن نؤمن بكل هذا مسبقًا. الفرق بيننا وبينهم هو أنهم يحتاجون لدليل مادي ليثبتوا وجود الخالق، بينما نحن نؤمن بالخالق الواحد الأحد، وتأتي أبحاثهم فقط لتؤكد ما جاء في كتابنا الحكيم. لقد اختاروا الطريق الصعب، واخترنا نحن الطريق السهل، والنتيجة واحدة رغم أنف عنادهم: لهذا الكون خالق عظيم واحد.ولكن، هناك فريق ثالث، قادته جدالاته وخيالاته إلى فكر مختلف. فكر ليس فيه علم ولا أبحاث، بل غموض وشرح مبهم وحقائق مظللة. بدل أن يستخدموا القرآن للعبادة، استخدموه كأداة لتزيين أفكارهم ودعم خيالاتهم. فكانت النتيجة أنهم أصبحوا أخطر من الكفار والمشركين.هؤلاء هم “شياطين من نوع متطور”. لقد عرفوا سر فضول الإنسان وحبه للعظمة، فأسسوا “علم الروحانيات”. من اسمه، يجذبك. يخاطبون الأرواح المنهكة التي تبحث عن تفسير لمواهبها وحساسيتها المفرطة. يقنعونها بأنها من سلالات عريقة، وأنها محسودة ومستهدفة بطاقات سلبية. يستغلون نقطة ضعفها وشعورها بالإنهاك، الناتج أصلاً عن كثرة التفكير والبعد عن الله، ليقدموا أنفسهم كحل.لقد أضاع الكثير من المسلمين عقيدتهم في عالم الملهيات، فتمكن الشيطان من عقولهم. ثم أتى هؤلاء الروحانيون بفكر جديد لـ “علاجهم”. هم من أرسلوا الفيروس، ثم لبسوا أثواب الأطباء النفسيين وخبراء التنمية البشرية، لينشروا علاجهم المسموم. أعطوا السم في قارورة دواء، ولضعف النفوس، شربته، فهلكت وهي تبحث عن النجاة.

أضف تعليق